فيلم «ساعي البريد وبابلو نيرودا»: عوالم الاستعارات والحب

المراقب العراقي/ متابعة..
تأتي عظمة الفيلم الإيطالي «ساعي البريد وبابلو نيرودا» 1994، من إخراج مايكل رادفورد، من دقة خطوطه السردية وقيمة صوره المثيرة للذكريات، وعمق الاستعارات. عرض فيلم «Il Postino» ، وهو عنوانه الأصلي، لأول مرة في إيطاليا في مهرجان البندقية السينمائي في 1 سبتمبر/أيلول 1994 ووزع في صالات العرض السينمائية الإيطالية في 22 سبتمبر 1994.
تم نقل رواية «الصبر المحترق» للكاتب التشيلي أنطونيو سكارميتا، إلى السينما بعمق حكاية تغمرها الإيماءات والكلمات، والصمت عن علاقة فضوليّة من التواطؤ والصداقة بين الشاعر بابلو نيرودا وساعي البريد بحسه المتواضع، إلى السينما، بنجاح غير عادي بكثير من الدلالات. أعاد المخرج صياغة الأحداث في الوقت المناسب من السبعينيات في تشيلي إلى جزيرة إيطالية في الخمسينيات من القرن الماضي، حيث تم نفي بابلو نيرودا لأسباب سياسية. تعرف ماريو على نيرودا عندما أصبح ساعي البريد يجلب له البريد إلى منزل الشاعر المنعزل. فتنشأ تدريجيا علاقة تعاون وإعجاب، عندما يساعد الشاعر، ساعي البريد على إغواء نادلة بياتريس (ماريا غراتسيا كوتشينوتا) بما تحمله الكلمات من استعارات ومجازات. يرسم الفيلم تاريخا غير منزعج من حواف لصداقة عاطفية تجمع بين الشعر والصداقة والحب والسياسة بشكل مستتر. ماريو روبولو (ماسيمو ترويسي) هو ابن صياد يعيش في جزيرة صغيرة قبالة سواحل إيطاليا. سيصل الشاعر التشيلي بابلو نيرودا (فيليب نوارت) إلى البلدة الصغيرة منفيا، بسبب الاضطهاد السياسي الذي تعاني منه في بلاده. سيحصل ماريو على وظيفة ساعي البريد وسيتعين عليه حمل مراسلات المؤلف الشهير، وبالتالي التعرف عليه عن كثب وإقامة صداقة وثيقة معه.
تدور حكاية الفيلم في قرية صيد دافئة في إيطاليا، زارها بشكل مفاجئ المحامي والشاعر التشيلي بابلو نيرودا، الذي ستؤثر كلماته في نهاية المطاف في ساعي البريد الشاب الخجول ماريو روبولو، العاشق للشابة بياتريس، الذي يتلقى جفاء كبيرا منها وعن وقع الكلمات على قلبها. الفيلم عبارة عن تحفة تمثيلية للسينما الإيطالية، مزيج بين الأدب اللاتيني والأجواء الإيطالية، عبر متواليات سردية بسيطة ودقيقة مدعومة بموسيقى تصويرية ساحرة، وموجودة في كل مكان، من تأليف لويس إنريكي باكالوف، لكن أيضا من أداء رائع من قبل اثنين من عظماء السينما الأوروبية، فيليب نويرت وماسيمو ترويسي، الأول نموذج لكاتب كبير يحتذى به ومهتم بتلميذه المتحمّس، ترويسي الرائع، الذي يجسد حنان ولطف وتواضع الرجل العادي، بقيادة يد عملاق من الأدب.
يكمن جزء كبير من جاذبية هذا الفيلم في بساطة القصة التي نمت منها بعض الحوارات بشكل إبداعي، تغوص في شرح معنى الاستعارة والمجاز والحب والصداقة، وهي متعة فكرية وشعرية؛ كل هذا يتجسد في ساعي البريد – ماسيمو ترويسي/البارع – الذي تستحق شخصيته الساذجة والنظيفة، صداقة عميقة من لدن الشاعر. كل هذا يثريه أيضا الجمال الغامض للبحر والسحر الجنوبي للمناظر الطبيعية، وجاذبية (بياتريس) وجلبة خالتها اليقظة، والكاهن وسكان القرية ونظراتهم، وهي شخصيات مرسومة بملف شخصي ناجح ومحبوب.



