الحرب الاقتصادية الناعمة على لبنان

بقلم/د. علي مطر…
تمتلك الولايات المتحدة الأميركية قدرات عسكرية هائلة، مكّنت صانعي السياسات فيها من بسط الهيمنة على النظام الدولي، بفعل شن الحروب وخوض المعارك، فكانت أدواتها الإرغامية لتثبيت هيمنتها وردع أي محاولات تمرد ضدها، تقوم على استخدام آلة الحرب، لمحاولة تغيير القرارات الإستراتيجية للدول والجهات الفاعلة التي تهدّد مصالحها، ولفرض تغييرات جيوسياسية تصبّ في استراتيجية الهيمنة. لكن أمام التكلفة الضخمة لهذه الحروب، بدأت واشنطن تمزج هذه القوة بقوة أخرى هي القوة الناعمة، ودمجها بأدوات إرغامية أخرى منها العقوبات الاقتصادية، لتتحول شيئاً فشيئاً كبديل في كثير من الأحيان للحروب العسكرية.
ويعيش العالم اليوم تحديات جمة، تجعل النظام الدولي برمته على مفترق طرق، في ظل صراعات تخاض في ساحات مختلفة، وإن لم ترق إلى المعارك العسكرية، إلا أنها تخاض بشكل معقد تحت عناوين سياسية اقتصادية، لكنها لا تُغني عن استخدام ضربات خاطفة. ومع أن القوة الصلبة هي أكثر المعاني وضوحاً التي تدركها شعوب العالم، إلا أن هناك منظومة أخرى تدار عبرها حروب أخطر، في مستويات مختلفة، وهي الحرب الناعمة التي تغلغلت بخطورتها لتغيير المفاهيم والمصطلحات والقيم، ويبدو أخطرها الحرب الاقتصادية التي يراد منها إخضاع شعوب بأكملها دون الحاجة لاستخدام القوة الصلبة العسكرية.
أولاً: مفهوم القوة الناعمة
عرّف جوزيف ناي القوة الناعمة بأنها “القدرة على الجذب لا عن طريق الإرغام والقهر والتهديد العسكري والضغط الاقتصادي، ولا عن طريق دفع الرشاوى وتقديم الأموال لشراء التأييد والموالاة، كما كان يجري في الاستراتيجيات التقليدية الأميركية، بل عن طريق الجاذبية، وجعل الآخرين يريدون ما تريد“.
ولم يكن المنظر الأميركي الوحيد الذي عرّف القوة الناعمة فقد اعتبرها الفرنسي ميشيل فوكو بأنها “إجبار وإلزام غير مباشرين وسجال عقلي وقيمي يهدف إلى التأثير على الرأي العام في داخل الدولة وخارجها”. فالحرب الناعمة هي كما يبدو التي تكون غايتها سلب طاقة الشعوب وإحباطهم وكسر إراداتهم على المواجهة، وصولاً إلى السيطرة على الثروات والقدرة.
ثانياً: الحرب الناعمة على حزب الله
بدأت الحرب الناعمة الأميركية على حزب الله عقب تحرير عام 2000، لمحاولة الإغراء في نزع السلاح، ومن ثم اشتدت إبان الانتصار على العدو الإسرائيلي في عدوان تموز 2006، وصولاً إلى تحرير جرود لبنان من الجماعات الإرهابية، حيث تصاعدت شعبية المقاومة، وتراكمت قوتها.
بدأ العمل بشكل حثيث ومتسارع على هذه الحرب منذ ما بعد حرب تموز، لكها أخذت تشتد أكثر فأكثر مع انتشار الثورات الملونة في العالم العربي، وترافق ذلك مع إعلان السفير الأميركي السابق في لبنان جيفري فيلتمان في العام 2010 أمام الكونغرس عن إنفاق 500 مليون دولار في هذه الحرب، ومن ثم دفع مليارات الدولارات وصولاً إلى يومنا هذا وفق ما بيّن المبعوث الأمريكي السابق دايفيد هيل، علماً أن كل ذلك كان يحصل دون التوقعات بالنسبة لواشنطن.
وتعمل واشنطن في هذه الحرب ضد حزب الله من خلال التركيز على المناطق والبيئات، وتعتمد وفق جمعياتها المنتشرة في لبنان، وعلى رأسها usaid ، على محاولة تغيير فكر المجتمع الشيعي تحت مسميات عدة منها موضوع التنمية، كذلك محاولة استقطاب فئات الشباب، ومحاولة إشاعة سلوكيات جديدة داخل هذه البيئات تؤثر على المقاومة. وهنا نشير إلى ما يعرضه “تيم واينر”، في كتاب “ارث من الرماد تاريخ CIA “، من أن “الإدارة الأمريكية تلجأ الى أدواتها لتشويه السمعة وهدم الصورة، فهو أسلوبها المثالي التاريخي حين تعجز الآلة العسكرية والسياسية والمخابراتية“.
ثالثاً: الحرب الأمريكية الاقتصادية الناعمة على لبنان
رغم أن المنظّر الأميركي جوزيف ناي لم يورد، في صياغة مفهومه للحرب الناعمة، الضغط الاقتصادي، إلا أن هذه الوسيلة استخدمت على نطاق واسع من قبل الإدارات الأميركية، وهي اليوم أصبحت سلاحاً بيد واشنطن تستخدمه ضد الشعوب، فلم يعد يمكن التفريق ما بين الحصار الاقتصادي وهذه الحرب التي لا تستخدم فيها الآلة العسكرية.
في لبنان تستخدم واشنطن حربها وحصارها ضد اللبنانيين، ولكن مع هذه الحرب الجائرة، تستخدم أيضاً سرديات تصب في مفاعيل الحرب الناعمة، وهذه السرديات تريد من خلالها واشنطن تحميل المقاومة أسباب الأزمة الاقتصادية ومسؤولية تداعياتها على الشعب اللبناني، علماً أن الحقيقة تختلف كلياً عن السرديات التي تسوقها واشنطن وحلفاؤها في لبنان، وبخاصة أن هذه الحرب الاقتصادية تأتي اليوم نتيجة فشل الخيار العسكري، ولربما ايضاً فشل الحرب الناعمة الصرفة في أبعادها الثقافية والفكرية على بيئة المقاومة خاصة، لذلك بدأت تترافق ما بين الحرب الناعمة والحرب الاقتصادية.
من هنا يمكن أن نعتبر أن الحرب الاقتصادية هي وجه من وجوه الحرب الناعمة، التي تسعى واشنطن لاستخدامها ضد حزب الله، وهي لطالما وجدت أن الاقتصاد سلاح فتاك لارضاخ الخصوم وتحقيق مكاسب سياسية، كما أن هذا السلاح هو أكثر تعقيداً من الحرب العسكرية خاصةً في بلد هش مثل لبنان.
وكما هو معروف وواضح فقد تدخلت الولايات المتحدة الأميركية في لبنان، عبر سياسات مالية، اعتمدتها من أجل حصار لبنان ما فاقم من أزماته، حيث قامت بفرض خطط وآليات تستهدف العملة الوطنية والقطاعات الحيوية في الدولة، ومن هذه السياسات:
– إقحام المؤسسات المالية الدولية وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لفرض شروط تعجيزية على الحكومة مقابل تسهيل قروض تحت عنوان مساعدات معجّلة للبنان.
– استخدام المؤسسات المالية الدولية -كأدوات ضغط- لتقديم قروض لغرض تطوير البنية الأساسية وبناء محطات توليد الكهرباء والطرق والموانئ والمطارات بشرط قيام المؤسسات التابعة للولايات المتحدة بتنفيذ تلك المشروعات.
– الفيتو الأميركي واضح لمنع لبنان من التوجه إلى دول أخرى تدعمه وتستثمر فيه سواء روسيا أو إيران أو الصين وحتى بعض الدول الأوروبية.
– اللعب في سعر الصرف، وضرب الليرة مقابل الدولار، من خلال شركات الصرافةه والمضاربين، وتهريب الأموال من لبنان إلى الخارج.
كما تحاول واشنطن إظهار أن لبنان المأزوم بحاحة إلى إصلاحات، وأنها تقوم على تهيئة الأرضية لذلك، فيما هناك فريق يرفض هذه الإصلاحات، ومن ذلك نماذج كبيرة، منها ما حصل من خلال تسييس القضاء.
تأتي هذه الحرب نتيجة تضاؤل الخيارات الأميركية في مواجهة حزب الله، خاصةً أن واشنطن التي تريد إخضاع الحزب، وتأمين عدم التعرض للكيان الإسرائيلي، غير مستعدة لخوض حرب عسكرية في المنطقة حالياً، وبالتالي هي ترى أن سياسة الضغوط القصوى أفضل لها من خيار الحرب العسكرية، ولم يترك جهابذة الإدارة الأميركية وحلفاؤها وسيلة إلا واستخدموها في هذه المواجهة، لكن حتى الآن لم تحقق واشنطن مبتغاها كاملاً من هذه الحرب، ولم تستطع تأليب بيئة المقاومة عليها، رغم أنها تعمل بشكل مكثف حالياً لتأليب البيئات الأخرى على حزب الله.



