تأخير الرواتب ينذر بأزمة مالية مرتقبة تضرب القطاع الحكومي

بسبب تكرارها خلال الأشهر الأخيرة
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
أدى تكرار تأخر صرف رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستفيدي الرعاية الاجتماعية خلال الأشهر الأخيرة إلى تصاعد المخاوف بشأن قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المالية، رغم التأكيدات الرسمية المتكررة بأن الرواتب مؤمنة ولا توجد أزمة في تمويلها، إلا أن مؤشرات اقتصادية عدة تشير إلى ضغوط متزايدة على المالية العامة، في ظل انخفاض الإيرادات النفطية واستمرار اعتماد الموازنة بشكل شبه كامل على عائدات تصدير النفط.
وتعتمد الموازنة التشغيلية في العراق بنسبة تقارب 90 بالمئة على الإيرادات النفطية، الأمر الذي يجعل أي تراجع في الإنتاج أو الصادرات ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الدولة في تمويل الرواتب والنفقات الأساسية.
وتشير تقارير اقتصادية إلى انخفاض معدلات الإنتاج والتصدير مقارنة بالفترات السابقة، متأثرة بالتوترات الإقليمية التي ألقت بظلالها على حركة تصدير النفط عبر الممرات الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
وبحسب مصادر رسمية، فإن إجمالي الرواتب الشهرية للموظفين والمتقاعدين وشبكات الحماية الاجتماعية يقترب من ثمانية تريليونات دينار، وهو رقم يعدّه مختصون مرتفعاً قياساً بالإيرادات المتحققة من القطاعات غير النفطية، التي ما تزال مساهماتها محدودة في رفد الخزينة العامة.
ويرى مراقبون، إن تضخم الجهاز الحكومي خلال السنوات الماضية، نتيجة التوسع في التعيينات، فرض أعباءً مالية كبيرة على الدولة، بالتزامن مع تراجع مساهمة القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الصناعة والزراعة، في دعم الاقتصاد الوطني، الأمر الذي زاد من هشاشة الموازنة العامة أمام أي تذبذب في أسعار النفط أو كميات التصدير.
وأكدوا، إن الأزمة الحالية تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومة، مشيرين إلى أن اللجوء إلى الاقتراض الداخلي والخارجي لتغطية النفقات الجارية يعكس حجم الضغوط التي تعانيها الموازنة، كما يسهم في زيادة العجز وارتفاع الالتزامات المالية المستقبلية.
وأضافوا، إن استمرار الظروف الحالية قد يدفع الحكومة إلى تبني إجراءات مالية أكثر تشدداً، مثل توسيع برامج التقشف، وإعادة النظر في أولويات الإنفاق العام، مع التحذير من أن أي إجراءات تمس دخول المواطنين ستنعكس سلباً على الواقع المعيشي وتزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
وأشاروا إلى أن الحكومة اتخذت خلال الفترة الماضية خطوات لتنويع منافذ تصدير النفط، من بينها استخدام مسارات بديلة عبر سوريا، فضلاً عن السعي لإعادة تفعيل خط كركوك – جيهان، إلا أن هذه الإجراءات لم تحقق حتى الآن الإيرادات الكافية لتعويض الانخفاض في الصادرات أو تغطية الاحتياجات المالية المتزايدة للدولة.
ولفتوا إلى أن الأزمة لا تقتصر على ملف الرواتب، بل تمتد إلى تمويل قطاعات حيوية، مثل توفير الأدوية والعلاجات، ولا سيما الخاصة بمرضى السرطان، إضافة إلى تنفيذ المشاريع الاستثمارية والخدمية التي تحتاج إلى تمويل مستقر ومستدام.
ومن جانبه، قلل الخبير الاقتصادي هيثم الخزعلي في حديث لـ”المراقب العراقي”، من المخاوف المتصاعدة بشأن تأخر صرف رواتب الموظفين خلال الأشهر الأخيرة، مؤكداً، إن العراق يمتلك احتياطيات مالية، إلى جانب احتياطيات من الذهب، تتيح للحكومة تأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستفيدي الرعاية الاجتماعية، نافياً وجود أزمة مالية تحول دون الإيفاء بهذه الالتزامات”.
وأضاف الخزعلي، إن “تأخر صرف الرواتب خلال الشهر الحالي يرتبط بجملة من الإجراءات المالية والإدارية، من أبرزها مناقشة وتدقيق الحسابات الختامية للسنوات السابقة داخل مجلس النواب، وهو ما يتطلب متابعة وإجراءات رقابية ومحاسبية تؤثر على توقيت إطلاق بعض التخصيصات المالية، مؤكداً، إن هذا الأمر لا يعني وجود عجز في تمويل الرواتب.”
وفي الوقت نفسه، أشار الخزعلي الى أن “العراق بحاجة إلى رؤية اقتصادية شاملة لمعالجة التحديات المالية بصورة مستدامة، بدلاً من الاعتماد على الحلول المؤقتة، مشدداً على أهمية تنويع مصادر الدخل الوطني وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية التي ما تزال تشكل المصدر الرئيس لتمويل الموازنة العامة”.
ويبقى اعتماد الاقتصاد العراقي شبه الكامل على النفط – حسب رأي المختصين – عرضة للصدمات الخارجية، محذرين من أن بقاء الأوضاع الحالية دون إصلاحات اقتصادية جذرية قد يقود إلى أزمة مالية أكثر تعقيداً خلال المرحلة المقبلة، وهو ما يستدعي تحركاً سريعاً لوضع حلول تضمن الاستقرار المالي.



