اراء

بين ترامب والشرع.. من يتحدث باسم مستقبل لبنان؟

بقلم: منير شحادة..

أعاد الجولاني في مقابلته الأخيرة مع قناة الجزيرة، التأكيد للمرة الثالثة على موقف واضح مفاده، أن سوريا لن تتدخل في لبنان، وأنه لا ينوي دخول الأراضي اللبنانية أو الانخراط في معالجة ملف سلاح حزب الله. ولم يكن هذا التصريح عابرًا، بل جاء بصيغة قاطعة ومتكررة، ما يمنحه وزنًا سياسيًا كبيرًا ويجعله بمثابة إعلان رسمي عن سياسة دمشق تُجاه لبنان في المرحلة الحالية.

لكن هذا الموقف يفتح بابًا واسعًا من الأسئلة، لأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قد صرّح أكثر من مرة بأن الجولاني مستعد للمساعدة في حل قضية سلاح حزب الله، بل إن آخر تلك التصريحات جاء أمام الرئيس اللبناني جوزاف عون في البيت الأبيض، من دون أن يصدر عن الجانب اللبناني أي اعتراض أو تصحيح أو حتى توضيح لما قاله الرئيس الأمريكي.

وهنا يبرز السؤال الأساسي: من يقول الحقيقة؟

هل كان ترامب يعبّر عن تفاهمات سياسية جرت خلف الأبواب المغلقة ولم يُكتب لها أن ترى النور، ولا سيما بعد استدعائه الجولاني إلى تركيا، حيث كان موجودًا، أم أنه كان يوجّه رسالة سياسية إلى الداخل اللبناني وإلى المجتمع الدولي أكثر مما كان ينقل موقفًا سوريًا حقيقيًا، أم أن دمشق، بعد حسابات إقليمية ودولية معقدة، قررت النأي بنفسها عن أي دور قد يعيدها إلى المشهد اللبناني بطريقة تستحضر تجارب الماضي؟.

مهما يكن الجواب، فإن التناقض بين الروايتين ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل يمس قضية سيادية تتعلق بمستقبل لبنان وتوازناته الداخلية.

فالحديث عن تدخل سوريا لمعالجة ملف سلاح حزب الله يعني عمليًا إعادة إدخال دمشق إلى المعادلة اللبنانية بوصفها لاعبًا أمنيًا وسياسيًا، مع خطر اندلاع فتنة مذهبية قد تفتك بالمنطقة برمتها. وهذا أمر بالغ الحساسية في بلد لا يزال يحمل ذاكرة عقود طويلة من الوصاية السورية وما رافقها من انقسامات.

لكن اللافت أن تصريحات الجولاني جاءت أيضًا بعد أشهر من تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن: «أمن تركيا لا يبدأ من هاتاي فقط، بل يبدأ من حلب، ويبدأ من دمشق، ويبدأ أيضًا من بيروت». يومها أثار هذا الكلام نقاشًا واسعًا، لأنه أوحى بأن أنقرة تنظر إلى المشرق باعتباره مساحة أمنية مترابطة تمتد من الحدود التركية حتى الساحل اللبناني.

ومن هذه الزاوية، يبدو أن تركيا تسعى إلى تكريس نفسها لاعبًا إقليميًا لا يقتصر دوره على سوريا، بل يمتد إلى كل ما يتصل بأمن شرق المتوسط وبلاد الشام، مستفيدة من نفوذها السياسي والعسكري داخل الأراضي السورية وعلاقاتها المتشعبة مع القوى الدولية والإقليمية.

لكن تصريح الجولاني الأخير يضع أيضًا حدودًا لهذا التصور، إذ يؤكد أن دمشق لا تريد أن تتحول إلى بوابة لأي تدخل في لبنان، سواء جاء بطلب أمريكي أو ضمن ترتيبات إقليمية أوسع.

ولعل ما يدفع دمشق إلى هذا الموقف هو إدراكها أن لبنان يعيش توازنات داخلية شديدة التعقيد، وأن أي تدخل مباشر سيعيد فتح ملفات تأريخية ويمنح خصومها السياسيين مادة دائمة للهجوم عليها، فضلًا عن أن سوريا نفسها تواجه تحديات اقتصادية وأمنية تجعل أولوياتها داخل حدودها أكثر منها خارجها.

أما لبنان، فيبدو حتى الآن غائبًا عن توضيح هذا التناقض. فالصمت الرسمي أمام تصريحات ترامب، ثم عدم التعليق على النفي السوري المتكرر من سلطة سياسية تنادي بالسيادة، يترك المجال واسعًا أمام التكهنات، ويغذي الشائعات حول وجود تفاهمات غير معلنة أو ضغوط دولية أو مشاريع يجري إعدادها بعيدًا عن الرأي العام اللبناني.

إن أخطر ما في هذا المشهد ليس التناقض بين ترامب والجولاني بحد ذاته، بل أن يصبح مستقبل لبنان موضوعًا لتصريحات متعارضة تصدر من عواصم مختلفة، بينما يغيب الصوت اللبناني القادر على تحديد ما يريده لبنان وما يرفضه.

فالدول تُبنى عندما تكون قراراتها نابعة من مؤسساتها، لا عندما تتحول إلى ساحة تتبادل فيها القوى الإقليمية والدولية الرسائل السياسية.

ويبقى السؤال مفتوحًا: إذا كان الرئيس الأمريكي يؤكد استعداد دمشق للقيام بدور في لبنان، بينما ينفي الرئيس السوري ذلك بصورة متكررة وواضحة، فأي رواية ينبغي للبنانيين أن يصدقوا؟ وهل كان ما قاله ترامب تعبيرًا عن خطة لم تعد قائمة، أم قراءة خاطئة للموقف السوري، أم مجرد رسالة سياسية أراد توجيهها إلى أطراف لبنانية وإقليمية؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى