اراء

هل تطوي صناديق الاقتراع الصفحة الأخيرة لكل من عباس ونتنياهو؟

بقلم: عريب الرنتاوي..

على مبعدة أسابيع وأشهر قليلة، سيرتسم خط النهاية للمسيرة السياسية لكل من رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس، ما لم يطرأ، بالطبع، ما ليس في الحسبان، في إقليم اعتاد أن يستيقظ صباح كل يوم على وقع مفاجأة من العيار الثقيل.

في أواخر تشرين الأول المقبل، ستفتح مراكز الاقتراع أبوابها في “إسرائيل”، في انتخابات تجري، على غير العادة، في موعدها المقرر، وسط تقديرات بأن حظوظ نتنياهو في الفوز مرة أخرى تتراجع باطراد.

ويواجه حزبه، “الليكود”، منافسة شديدة من حزب “يشار”، حديث النشأة، فيما يوسع غريمه غادي آيزنكوت الفجوة لمصلحته في بعض الاستطلاعات، بوصفه الشخصية الأكثر ملاءمة لتشكيل حكومة جديدة.

المعارضة الإسرائيلية وهواجس ما قبل الانتخابات

في “إسرائيل”، تترقب المعارضة بفارغ الصبر لحظة الاقتراع، بيد أنها تتحسب، كما تتحسب عواصم القرار الإقليمي والدولي، لاحتمالات أخرى قد تقلب الطاولة على رؤوس اللاعبين والمراقبين. ومن بين هذه الاحتمالات قيام نتنياهو بتوسيع دائرة حروبه وتصعيدها، وهنا تبدو غزة ولبنان في قلب المهداف.

ومنها أيضاً قيام الرجل والدولة العميقة، التي أعاد تشكيلها وصياغتها على صورته وشاكلة اليمين الأكثر تطرفاً، بالتلاعب بنتائج الانتخابات أو تزويرها، كما يقول بعض رموز المعارضة وقادتها بالفم الملآن.

انتخابات “التشريعي

على المقلب الآخر، يضرب الفلسطينيون بدورهم موعداً، في 28 تشرين الثاني المقبل، مع صناديق الاقتراع، في أول انتخابات تشريعية فلسطينية تُجرى منذ عقدين، وبعد خمسة أعوام من إلغاء آخر موعد لإجرائها بحجج وذرائع بالية، أُريد بها إخفاء الخشية من نتائجها والخوف من انفلات عقد السلطة والحكم من بين أيدي فئة متنفذة بالسلطة والقرار، من دون رقيب أو حسيب.

وكان من المفترض أن تتزامن الانتخابات التشريعية مع انتخابات رئاسية، لكن الرئيس محمود عباس آثر الفصل بينهما بفارق زمني قد يصل إلى نحو نصف عام، لأسباب في نفس يعقوب، ويعقوب هنا هو الرئيس بعينه.

وفي ظني أن من بين هذه الأسباب:

أولاً، خشيته من خسارة الانتخابات، على الرغم من جهوده المضنية لـ”هندستها” وضمان نتائجها قبل انعقادها. فإذا جرت الانتخابات متزامنة، فقد يخسر الموقعين الرئاسي والتنفيذي والتشريعي معاً، أما في حال الفصل بينهما، فقد يخسر الانتخابات التشريعية، ويبقي الرئاسية معلقة على شتى الاحتمالات.

ثانياً، رغبته في إعداد بديل لخوض غمار الاستحقاق الرئاسي، إذ لا يُعقل، وفق الحسابات كلها، أن يعاود ترشيح نفسه، وهو الذي سيكون قد دشّن العقد العاشر من عمره المديد. ويريد لهذا المرشح البديل أن يكون من قماشته السياسية، في حال تعذر أن يكون من صلبه ويحمل جيناته الوراثية.

بين المقاطعة والمشاركة

يقترب الاستحقاق الانتخابي بسرعة، فيما “الرفاق حائرون”، ويتساءلون عما يتعين عليهم فعله. فهناك فريق يدعو إلى المقاطعة، على قاعدة أنها انتخابات تجري في إطار “إعادة هندسة” النظام السياسي الفلسطيني ليتكيف مع مخرجات الحل الإسرائيلي للقضية الفلسطينية.

وهناك فريق يدعو إلى المشاركة ضمن جبهة عريضة وواسعة من القوى والشخصيات والفصائل والحراكات، بهدف استحداث التغيير من داخل النظام. وهناك فريق ثالث لا يزال يراوح بين خياري المقاطعة والمشاركة، ويؤثر الصمت والانتظار.

هاجس التدخل في النتائج

يمثل سيناريو التدخل في الانتخابات واللعب بنتائجها هاجساً يجتاح الفلسطينيين، فصائل وشخصيات وحراكات ومبادرات، بمن فيهم “المتمردون” من داخل حركة “فتح” ذاتها، والذين شرع بعضهم في إعداد قوائمه الانتخابية.

ويتعاظم هذا الهاجس مع استسهال إصدار المراسيم الرئاسية، التي يأتي أحدها معارضاً لما سبقه، من دون شرح كافٍ أو تبيان لـ”الأسباب الموجبة”. فمن انتخاب مجلس وطني إلى انتخاب مجلس تشريعي، مروراً بتحديد أعداد أعضاء المجلس وتوزيعهم الجغرافي بين الداخل والخارج، تجري القرارات من دون تشاور واسع، ومن قبل حفنة قليلة ممسكة بتلابيب “المقاطعة”.

إذ تقول المصادر، إن الرئاسة تنوي خفض عدد النواب المنتخبين من 200 عضو يمثلون الضفة والقطاع والقدس إلى 132 عضواً، في عودة إلى العدد المنصوص عليه في القانون الأصلي، على أن يُختار 68 عضواً تكميلياً بالتعيين. ويُضاف هؤلاء، بحسب التسريبات، إلى 150 عضواً يمثلون الخارج والشتات، فيصبح عدد الأعضاء المعينين في المجلس الوطني المقبل 218 عضواً من أصل 350 عضواً، أي أكثر من 62%.

ماذا عن الانتخابات الرئاسية؟

لا نعرف عنها حتى الآن سوى أنها ستُجرى في الربع الأول من العام المقبل. لكن تحديد موعدها النهائي قد ينتظر نتائج انتخابات المجلس التشريعي، ودائماً من باب التحوط والاحتراز. ولا أكاد أتخيل سيناريو يتقدم فيه الرئيس عباس للترشح من جديد، كما لا أكاد أتخيل أن الانتخابات ستُجرى من دونه، وأنه سيسلّم العهدة من بابها إلى محرابها لمن سيأتي من بعده، حتى إن كان من أقرب الناس إليه، وربما باستثناء نجله.

مروان البرغوثي في صدارة الحسابات

لا تعطي استطلاعات الرأي العام السلطة ورموزها سوى نسبة محدودة من أصوات الفلسطينيين، وتضع القائد الأسير مروان البرغوثي في صدارة المرشحين الأوفر حظاً.

لكن يمكن ان يحظى مرشحون مستقلون بدرجة أقل من الشعبية وأن يخوضوا غمار المنافسة، وأن تتوافر لهم فرص مرتفعة للنجاح، ولا سيما بعد إن تلقوا دعماً مباشراً أو غير مباشر من فصائل وقوى فلسطينية ستحاذر تقديم مرشحين من داخلها.

محطة الرئاسة الأخيرة

في مطلق الأحوال، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو وصول قطار الرئاسة الفلسطينية إلى محطته الأخيرة في غضون الأشهر القليلة المقبلة. فبقاء الحال من المحال، ومن الأفضل للرئيس شخصياً وللشعب الفلسطيني إعادة العهدة إلى أصحابها، وترك النتيجة النهائية لصناديق الاقتراع، بدلاً من انتظار “العناية الإلهية”.

والخلاصة أنها انتخابات لا تأتي في سياق استنهاض المنظومة السياسية والحركة الوطنية الفلسطينيتين، ولا تنهض شاهداً على تعافيهما، بل تعبيراً عن المأزق، وقد تكون سبباً في تعميقه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى