الديمقراطية في طبعتها الأميركية تحت مقصلة النقد الصينية
بقلم/ محمد فرج..
“أن تكون الحَكَم والقاضي الوحيد في العالم”، أو ما اصطُلح عليه سياسياً “القطب الواحد”، هو ما اعتادته الولايات المتحدة بعد أن حسمت الحرب الباردة لمصلحتها نهايات القرن الماضي. فهي التي أصدرت شهادات الالتزام بشأن القيم الديمقراطية، لتكون النتيجةُ احتلالَ العراق. وهي التي حدّدت معايير انحراف الآخرين عن “المسطرة الديمقراطية” التي صنعتها بنفسها، لتكون النتيجة تدمير أفغانستان. وهي التي علّقت على مستويات انتهاك حقوق الإنسان في العالم، لتكون النتيجة تفكيك يوغسلافيا. وهي التي فرضت العقوبات وهدّدت البنوك وشركات التأمين، لتكون النتيجة فرض الحصار على إيران وروسيا.
انتزعت الولايات المتحدة هذه المكانة العالمية الموقتة عبر فائض القوة، وليس فائض القيمة الأخلاقية. واليوم، بعد أن جف فائض القوة، تَكَشّفت القيمة الأخلاقية على حقيقتها، واهتزّ مع هذا الجفاف كرسي القاضي الأميركي، فلقد جلست الولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات مع إيران بعد أن استهلكت جميع عقوباتها ضدها، وقرأت، في حادثة غريبة عليها، انتقادات صينية لانتهاكات حقوق الإنسان داخل حدود الولايات المتحدة نفسها!
لقد منعت حِقْبة الهيمنة الأميركية النقاش بشأن العموميات، وسمحت للنقاش فقط فيما يتعلق بتفاصيل العناوين الكبرى وحيثياتها التي تفرضها هي. لقد تعاملت بالمنطق الذي أورده هكسلي في رواية “عالم جديد شجاع” (غداً ينصرف الناس إلى أعمالهم التفصيلية وينسون الصورة الكلية). على سبيل المثال، من المقبول أن تناقش آليات تصحيح المسار الديمقراطي الطبعةَ الأميركية، لكن أن تناقش الطبعة نفسها. ومن المقبول أيضاً النقاش بشأن تصحيح المسار الاقتصادي من زاوية أسعار الصرف، والاحتياطي النقدي، لكن ليس من زاوية النموذج النيوليبرالي نفسه، واستبداله بالكامل.
التقرير بدأ بعنوان “ما هي الديمقراطية؟”، وفي هذا تحدٍّ لحالة الاستخفاف الأميركي بقدرة الشعوب على استنباط أنماطها الخاصة في الحكم والعيش والتفاهم والتفكير، كما أنه تعبير عن كسر النمطية الأميركية في التقارير المماثلة، الفنية المختصرة والمملة، والتي لا تتباين كثيراً عن التقارير المحاسبية لكبريات الشركات العالمية.
تركز الصين في تقريرها على ما ركزت عليه فنزويلا سابقاً: الديمقراطية ليست فقط حق التصويت وصناديق الاقتراع، بل هي مشاركة الناس، فعلياً ودائماً، في صناعة القرار والتنفيذ. الديمقراطية ليست التودّد إلى الناخبين خلال الحملات الانتخابية وتجاهلهم بعد إعلان النتائج مباشرة.
يستعيد التقرير مصطلحات استُبعدت من مفردات الخطاب السياسي للعقود الثلاثة المنصرمة، فـ”الأوليغارشية” (حكم الأقلية) كمصطلح، مثّلت خلال الفترة الماضية حالة من الحنين إلى فيديل كاسترو وآرنستو غيفارا، ليس أكثر. أمّا طباعته اليوم على أوراق تقرير رسمي لدولة بحجم الصين، وللتعبير عن فشل الديمقراطية الأميركية، فذلك فعلاً خطوة مهمة في إعادة الاعتبار إلى الخطاب السياسي الرسمي، الدولي في الدرجة الأولى.
“ يقول التقرير إن الممارسة الديمقراطية في الولايات المتحدة مشوشة (chaotic). وباستخدام مصطلح chaotic، يكون مقصد التقرير هو التعبير عن حالة “الشواش” في ذهن الجمهور الأميركي بشأن فهم الآلية الديمقراطية التي تفرضها مراكز القرار عليه. وتكون نتيجة ذلك هي الفوضى التي تكثفت في لحظة اقتحام الكابيتول، وفي تعنت المتنافسين في قبول نتائج الانتخابات، وفي تجميد حسابات شخصية في منصّات التواصل الاجتماعي. إنها الحالة التي وصفتها الرئيسة السابقة لجمعية علماء النفس في الولايات المتحدة، ساندرا شولمان، بوباء العنصرية في الديمقراطية الأميركية.
يرى التقرير أن هذا النموذج المُعيب من هذه الديمقراطية لم يؤذِ مواطنيه فقط، وإنما سبّب أيضاً الدمار لدول العالم التي أُجبرت على استيراده. عندما تسللت السلعة الأميركية (الديمقراطية) مع دخان الطائرات النفاثة، سببت الدمار كما حدث في العراق وأفغانستان. وعندما دخلت في التهديد، نسخت الحالة الصُّوَرية من الديمقراطية، كما حدث في الأردن والمغرب. وعندما دخلت عبر تصنيع “هستيريا الجموع”، سبّبت الاضطراب الداخلي كما حدث في جورجيا وقرغيزيا وأوكرانيا، فيما عرف بالثورات الملونة.
التفكيك العلمي للنموذج الأميركي
يقدم التقرير مقاربات علمية وليس دعائية في تفكيك النموذج الديمقراطي الأميركي، فاعتمد على الإحصاءات والدراسات من داخل الولايات المتحدة وخارجها، ووثّق حججه بالأرقام والمعلومات.
اعتبر التقرير أن شعار أبراهام لينكولن “حكم الناس، من الناس ولأجل الناس” بات بعيداً جداً عن الحالة الواقعية للنظام السياسي في الولايات المتحدة، فلقد أصبحت الديمقراطية الأميركية واحداً من تعابير تحكّم المال في السياسة.
يستند التقرير إلى إحصاءات مهمة في توصيف النموذج الأميركي للديمقراطية: بحسب معهد غالوب، فإنّ 19 % من الأميركيين فقط يثقون بالانتخابات الرئاسية. وبحسب “الأسوشييتد برس”، فإن 45 % يعتقدون أن الممارسة الديمقراطية في الولايات المتحدة لا تعمل بصورة جيدة. وبحسب مركز بيو للأبحاث، فإن 72 % من الأميركيين يعتقدون أن الولايات المتحدة ليست نموذجاً للديمقراطية.
ليست الإحصاءات والدراسات المَسحية فقط تدلل على الفشل، وإنما أيضاً حصيلة خمسة قتلى و140 جريحاً في حادثة اقتحام الكابيتول للمرة الأولى منذ فتح البريطانيين النار على البيت الأبيض عام 1814م.
ليس من الممكن أن توصف ديمقراطية ما بأنها فعالة ونشطة. وفي الوقت نفسه، يعيش معها عنف الشرطة اليومي. بين عامي 1980م و2018م، مات أكثر من 30 ألف أميركي بسبب عنف الشرطة، يأخذ أصحاب البشرة السوداء حصتهم منها أكثر بثلاثة أضعاف من الأميركي الأبيض. ليس العنف الشرطي وحده يكشف زيف الديمقراطية الأميركية، وإنما الممارسة العنصرية أيضاً.
إن التراجيديا الأميركية تكمن في الجمع بين سلعة الديمقراطية وعدم الاكتراث لحياة الناس. عندما تجاوزت الوفيات في الولايات المتحدة، بسبب فيروس كورونا، 798 ألفاً، تساءل الأميركيون: ما الذي حصلنا عليه؟ أكان ذلك وهمَ حرية التعبير والمشاركة السياسية، أم تُركنا لأقدارنا المميتة في مواجهة الوباء، أم فقداننا وظائفنا وأماننا الاجتماعي؟
تقرير الخارجية الصينية مثّل لائحة اتهام بدأت من لغة الخطاب، وانتهت بالأرقام والإحصاءات. إنها، ببساطة، اللائحة التي لا تقوى الولايات المتحدة على ردها بالكذب مجدداً!



