وفي الليلة الظلماء يفتقد الطالباني

حسين شلوشي
انطلقت تظاهرات اقليم كردستان مثل اي تظاهرة شعبية عامة من حيث الشعار المباشر أو(القدحة الاولى) للتجمع والتظاهر, فكان العنوان لها هو تأخر رواتب الموظفين والمعلمين ومؤسسات حكومة اقليم كردستان الاخرى, ولكنها مالبثت أن تفصح عن متراكم من الاسباب المكبوتة المغطاة بصورة ظاهر الترف والبناء المزركش مع الطبيعة الجميلة للاقليم ليشكل لوحة فنية جاذبة للزائر والوافد والمشاهد عبر شاشات التلفاز , الا أن شكل بستان الورد الملون لا يلغي الشوك في اغصانه ابداً ولا يخفف من الم احتضان الاغصان حباً وشوقاً بعطر الورد وجماله .
الاقليم يخفي تحته مفاهيم واحداثاً كثيرة معظمها تقع في دائرة التناقض بالرؤى والخيارات والسلوك ومن بين اهم الرؤى هو صراع الهوية الوطنية والقومية في داخل الاقليم , ثم يضاف اليه صراع ايدلوجي سياسي (اسلامياً , دينياً , قومياً , يسارية , ديمغرافيا) ثم صراع سلطوي من أجل السيطرة والهيمنة على كامل الاقليم , وقد يجري تعويم التوجه القومي على كامل المشهد في الاقليم وينتج صورة ربما مشوهة بعنوان (العنصرية القومية) وهي لا تعبر عن الواقع الحقيقي, لاسيما بعد العام 2003 وتجربة ممارسة السلطة (مستقلة) وبموارد كبيرة, وصعوبة اطباق التعتيم الاعلامي على الممارسات الحكومية مع المواطن وكيفية توزيع هذه الموارد على مواطني الاقليم, وهو ما يتيح لكل فرد ان يرى نفسه هو في المعادلة العامة للاقليم وليس معادلة اقليم ودولة اقليم وأفراد محدودين ومحددين تتركز فيهم موارد الاقليم الداخلة والذاتية.
التداخل أو التعقيد في واقع المشهد الكردي العراقي تحتاج الى ممارسة قيادية للساسة في الاقليم تتجاوز المصلحة السياسية والفردية وتتجاوز طموح الهيمنة الابدية على الاقليم, وأن هذه الشخصية المطلوبة يمكن اعتبارها مفقودة الان بتواري السيد جلال الطالباني عن المشهد بوصفه قائداً متدرجاً في الممارسة العملية للادارة والقيادة, ويعمل بمنهجية احتواء الاطراف المتنازعة كما أنه لا يتردد في تثبيت حق الاخر في الرأي والخيار وان كان على حساب جبهته وهو ما حصل في انشقاق التغيير (كوران) عن الاتحاد بينما لم يحصل ذلك في هذه الازمة بل جاءت الاجراءات فوق دستور الاقليم ودستور الدولة الاتحادية وحتى خارج الخطاب السياسي الذي يروج منذ 1991 في الاقليم ومنذ 2003 بكامل الدولة العراقية وهو خطاب الديمقراطية والحريات.
ان الازمة في كردستان ليست منفصلة عن الازمة العامة في العراق التي اسبابها الابرز هي تركيز المال والسلطة بجبهة واحدة والعمل على تعظيم المال الخاص لهذا الحزب أو ذاك ولهذه الشخصية أو تلك على حساب المال العام وهو ما يزعزع ثقة المواطن والموظف بحكومته وادارته وشعوره بالفردانية والابتعاد عن عناوين (المجموعة) مهما كانت شعاراتها التي ترفعها وتروجها في وسائل الاعلام المختلفة, وهذا من الخطورة بمكان انه يهدد الأسس القيمية الاجتماعية والاخلاقية في المجتمع, وليس أقرب من مثال عملي على ذلك أكبر من قطع رواتب الموظفين في اقليم كردستان وهو التخصيص الاعظم والاكبر في العالم كله من حيث توزيع الريع العام للدولة العراقية, الذي يجعل لكل سبعة افراد في المجتمع (الكردستاني) موظفاً واحداً, وهذا مقر في موازنة الحكومة الاتحادية باحتساب (682) ستمائة واثنان وثمانون الف وظيفة لاقليم كردستان, ومع ذلك فان حكومة الاقليم مازالت تطالب بأن يكون عدد الوظائف مليونا وسبعمائة الف, وهذه الارقام الوظيفية لمجتمع بشري لا يتجاوز الخمسة ملايين انسان, بالاضافة الى موارد أخرى خارج سيطرة الحكومة المركزية, لا شك ان هذه الارقام الفلكية تفتك بالاقتصاد العراقي وتسقطه في وحل التضخم الناتج من الاقتصاد الريعي والسباق المحتدم لتركيز المال العام.
فهذه الازمة (العامة) في الاقليم والدولة العراقية, اذا تم التعامل معها بصيغ التراضي الحزبي والصفقات بين الاحزاب فأنها يمكن ان تهفت قليلاً الا انها ستبقى مهدداً كبيراً وقاتلاً بالنسبة للدولة العراقية, لاسيما في ظل وجود داعش بالمنطقة والسباق الدولي لمحاربتها وتحصيل السبق (لحماية) المواطنين في هذه الدولة والتواجد الدائم فيها, بل وادارتها بشكل مباشر ليكون الجميع في قيمومة الدولة الاجنبية.




