اراء

الانتخابات في ليبيا.. أيّ مستقبلٍ للبلد المنقسم؟

 

بقلم/حسام عبد الكريم..

 

تتسارع في ليبيا وتيرة إعلانات الترشح لانتخابات الرئاسة المقرر إجراؤها في أواخر الشهر المقبل، وسط إقبال كبير. هذا الإقبال قد يبدو للبعض مؤشراً على أنّ ليبيا في طريقها أخيراً إلى التعافي واستعادة سيادتها ووحدتها المفقودة منذ سقوط نظام القذافي في العام 2011.

وفي الظاهر أيضاً، هناك دعم دولي وإقليمي شامل لإجراء الانتخابات التي تقررت نتيجة مفاوضات طويلة بين الأطراف الليبية برعاية أممية، آخرها كان مؤتمر برلين 2 الذي شاركت فيه الدول الكبرى، أميركا والصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي، ودول المنطقة، مصر وتركيا والإمارات والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، إضافة طبعاً إلى منظمة الأمم المتحدة.

لا يجب أن نندفع في الأمل والتوقعات الإيجابية. في الواقع، ليبيا مقسّمة فعلياً بين قوى متنافرة متعادية تسيطر على الأرض، لكلٍّ منها علاقاته وارتباطاته بدول وجهات خارجية لها أجنداتها ومصالحها التي لا تتفق بالضرورة مع مصلحة شعب ليبيا.

ومن الطريف أنَّ هذه الجهات الدولية شاركت في مؤتمر برلين، وتصرّفت كأن همها الأوحد هو استقرار ليبيا ورغد شعبها، بينما في الحقيقة هي التي تغذي الصراعات والحروب فيها عن طريق دعم أطراف بعينها ضد أخرى.

في بنغازي وطبرق والشرق الليبي، يسيطر الجنرال خليفة حفتر الذي منح نفسه رتبة “مشير” بالقوة، وفرض نظاماً عسكرياً صارماً، وفتح كل أبوابه لتلقي الدعم والتمويل والتسليح والمرتزقة من دول عديدة، تبدأ بمصر وتنتهي عند روسيا، مروراً بالإمارات وفرنسا.

وفي الطرف الآخر في غرب ليبيا، طرابلس والزاوية ومصراته، ورغم وجود “حكومة الوفاق الوطني” فيها، فإنها في الواقع واجهة سياسية أمام المجتمع الدولي. أما على الأرض، فتوجد تشكيلة واسعة جداً من المليشيات التابعة للسلفية الجهادية وفروعها، من “القاعدة” و”أنصار الشريعة”، والأفغان العرب أو الإخوان المسلمين وامتداداتهم الدولية، إضافة إلى جماعات عشائرية محلية، وجميعهم برعاية تركيا إردوغان، صاحب الأحلام العثمانية، والذي أرسل إليهم قوات من جيشه، ومعهم مرتزقة سوريون.

أما في منطقة سرت والوسط الليبي، فيميل عموم الناس هناك إلى القذافي، ويحنّون إلى أيامه، رغم وجود بؤر ومناطق تحت سيطرة “القاعدة” و”داعش”. وتبقى مناطق الجنوب الليبي، فزان والكفرة، التي تسيطر عليها قبائل التبو والطوارق والتشاديون.

تلك كانت خريطة السيطرة على الأرض في ليبيا. ولا يبدو أن أي طرف من القوى المسيطرة على الأرض مستعد للتخلي عن سيطرته ونفوذه لمصلحة حكومة مركزية في طرابلس أو غيرها. جميع تلك الأطراف تعتبر أن المناطق التي تقع تحت سيطرتها تم انتزاعها بالقوة، وبالجهد المسلح والتضحيات، وبالتالي لا يمكن “التفريط” فيها طوعاً وبالحسنى، فكل طرف من الأطراف الرئيسية المتصارعة في ليبيا يخوض الانتخابات شرط أن يكون هو الفائز!

ولو فرضنا أن الانتخابات جرت بالفعل، وبنزاهة وشفافية، وتمكنت فرق الإشراف الدولية من الوصول إلى كل المناطق الليبية، وأدلى الناخبون بأصواتهم بحرية تامة من دون ضغوط (وهو أمر مستبعد جداً)، فمن الذي يضمن احترام الأطراف الخاسرة لنتائج الانتخابات؟ هل يمكن تصوّر خليفة حفتر وهو يقبل مثلاً بفوز منافس له ينتمي إلى الجماعات الإسلامية الموجودة في طرابلس أو يرتبط بها؟! هل يمكن أن يسلّمه السلطة في الشرق؟! الجواب معروف طبعاً، وهو النفي.

إذا خسر حفتر، فسيلجأ إلى الطعن في الانتخابات ونزاهتها، وسيعلن أنها زُورت لمصلحة خصومه، وبالتالي سيرفض النتائج، وستستمر الأوضاع على ما هي عليه اليوم: عدة حكومات وبرلمانات ترفض بعضها بعضاً.

وهناك تاريخ طويل من فشل التفاهمات والاتفاقيات التي حصلت بإشراف دولي، وأبرزها اتفاق الصخيرات الذي لم يؤدِ، رغم كل الضجة الإيجابية التي رافقته، إلى أي حلول حقيقية لمشاكل ليبيا (ومؤخراً، أعلن خليفة حفتر رفضه له جملة وتفصيلاً). وما قلناه عن حفتر ينطبق أيضاً على جماعات الإسلاميين في طرابلس ومصراته التي يستحيل أن تسلّم بفوز حفتر لو حصل.

وحتى لو اضطرت الأطراف الخاسرة في الانتخابات مرغمةً على مسايرة المجتمع الدولي والقبول بالنتائج، فإن ذلك سيكون مشروطاً ببقاء سيطرتها على الأرض كما هي، أي أنّ الرئيس الفائز في الانتخابات، وفي أحسن الأحوال، عليه القبول بأن يكون رئيساً صورياً من دون سيطرة حقيقية على الأرض، لو أراد استلام منصب الرئاسة (والكل يذكر كيف كان فايز السراج رئيسَ حكومةٍ شكلياً، بينما المليشيات “الإسلامية” هي صاحبة الكلمة والسيطرة على الأرض)، والأطراف الخارجية لها كلمتها أيضاً (هل تقبل مصر أو الإمارات بفوز مرشح ينتمي إلى الإخوان المسلمين مثلاً؟!).

وهناك احتمال بألّا تحصل الانتخابات أو تؤجل حتى إشعار آخر، بسبب الإجراءات والشكليات المتعلقة بالقانون الانتخابي وشروط المرشحين (حفتر يحمل الجنسية الأميركية، وسيف الإسلام القذافي عليه أحكام قضائية، والدبيبة ما زال موجوداً في منصبه)، والتحديات اللوجستية التي ربما لا تسمح باحترام الموعد المحدد (24 كانون الأول/ديسمبر 2021).

الوضع في ليبيا يدعو إلى التشاؤم. لن تستطيع الأمم المتحدة أن تفرض على الليبيين وميليشياتهم وزعمائهم المنقسمين حلاً حقيقياً. تغيير الواقع الموجود على الأرض بحاجة إلى وقتٍ ونفسٍ طويل، وربما إلى جيل جديد من الليبيين المتحررين من إرث الماضي وتعقيداته.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى