هي كلمةٌ إن قلتها متَّ، وإن سكتَّ متَّ .. فقلها ومُتْ

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي..
لا شيء أحلى من السلام لأن الأمان في السلام والإبداع والإعمار في السلام وحتى تحية الإسلام هي السلام . ولكن الإحساس بالسلام والحياة بذلٍّ وهوان خطان لا يلتقيان .. فالكبرياء مصداق الحياة فليست كل حياة تسمّى حياة وليس كل صمت حكمة ولا كل نجاة انتصار . حين يقف الإنسان أمام ظلم مفضوح وطاغوت متجبر وحق يُسحق أمام عينيه ثم يُطلب منه أن يصمت بحجة السلامة وأن ينحني بحجة الواقعية وأن يبتلع كرامته بحجة أن الأيام ستتغيّر . ذلك يعني الهزيمة , يعني الانهيار والسقوط بكل ما يعنيه السقوط , يعني الموت . فالله لا يغيّر ما بقوم حتى يُغيروا ما بأنفسهم , والأيام لا تتغيّر وحدها والظلم لا يسقط من تلقاء نفسه والطاغية لا يستيقظ فجأة ليغدو ملاكا ويعتذر عن خطئه وينقلب على ذاته ويهذّب أخلاقه . إنما يتغيّر الواقع حين نؤمن بأن مواجهة الباطل واجب وحق، أما الحياة مع الظالمين فما هي إلا برم وتعاسة وضيق وسأم . خاسر كل من آمن بأن الخوف قدر وأن الكرامة ترف وأن السكوت عن الباطل نأي بالنفس أو حياد .. لا للظلم حين يُرتكب باسم القانون ولا للقهر حين يُسوَّق باسم الأمن ولا للفساد حين يُغطى بشعارات المصلحة العامة . لا لتكميم الأفواه ولا لإذلال الضعفاء ولا لتحويل الناس إلى أرقام صامتة تُستدعى عند الحاجة ثم تُنسى عند اقتسام الغنائم . إن الطغيان لا يعيش بقوته وحدها بل يعيش أيضا بخوف المقهورين وبالإسراف في صمت العقلاء واعتياد الناس على الخنوع والقبح حتى يبدو لهم طبيعيا. لكن مواجهة الطاغوت لا تعني التهور والفوضى إنما تعني أن نكون مصداقا للحق ونقول الحقيقة وأن نرفض الظلم بثبات وأن ننصر المظلوم بما نستطيع حتى وإن كان في الكلمة والقلم والموقف . نعم هي الكلمة قد يخسر أصحابها منصبا أو مالا . قد يُحاصروا ويُشوّهوا ويُتهموا بما ليس فيهم من مثالب الرجال . حذارِ من الإذعان للذلِّ لأنه يعلّم الناس الخوف من أصواتهم والشك في ذاكرتهم والعار من المطالبة بكرامتهم . لذلك فإن أول مقاومة حقيقية تبدأ باستعادة الوعي , أن تعرف أن لك حقا وأنت صاحب حق فيما تقول أو تقف من أجله . أن ترفض أن تُلدغ مرتين من ذات الجُحر فكيف بنا وجحرنا الأمريكي أمعن في جراحنا لدغا ونزفا وأوراما ؟ كل تغيير عظيم بدأ بأصوات قليلة وصرخة وكلمة رفضت أن تقبل الخنوع وتردد الكذبة وتلك صرخة الإمام الحسين عليه السلام شاهدا وشهيدا ومصداقا للخلود . هي كلمة , قلها بعقل لا باندفاع . اكتب ووثّق وعلّم أبناءك معنى الكرامة. إنها حرب بين إنسانيةٍ تريد أن تنجو ووحشيةٍ تريد أن تحكم . هي كلمة توقظ القوم وتجمع الأمة وتمنح الناس شجاعة أن يروا الحق حقا فينصروه ويروا البطال باطلا فيحاربوه . فما دام في الصدر نفس وفي اليد قدرة وفي العقل وعي وفي القلب بقية من شرف فإن مواجهة الظلم ليست خيارا بطوليا فحسب إنما هي واجب إنساني . فما الحياة الدنيا وإن طالت إلا متاع الغرور وإذا كان الطاغوت تمادى والشر يطرق أبوابنا فهي كلمةٌ إنْ قلتها متَّ، وإنْ سكتَّ متَّ .. فقلها ومُتْ.



