كيف أعاد 7 أكتوبر تعريف السياسة الخارجية التركية؟

بقلم: ليلى نقولا..
خلال الفترة الأخيرة، بات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتعامل مع كلّ تصعيد إسرائيلي في لبنان أو سوريا أو غزة باعتباره حدثاً يمسّ الأمن الإقليمي، ويرتبط بصورة متزايدة بالأمن القومي التركي وموقع أنقرة في النظام الإقليمي. منذ 7 تشرين الأول 2023، أصبحت التطوّرات في المنطقة جزءاً من سلسلة أوسع من التحوّلات التي أعادت تشكيل تصوّرات التهديد لدى صنّاع القرار الأتراك.
خلال العقد الماضي، اعتمدت السياسة الخارجية التركية على مزيج من المنافسة والتعاون مع القوى الإقليمية المختلفة. غير أنّ التطوّرات التي أعقبت الحرب دفعت صنّاع القرار إلى تبنّي مقاربة أكثر ارتباطاً بالاعتبارات الأمنية والاستراتيجية، ما انعكس على أولويات تركيا الإقليمية وتحرّكاتها الدبلوماسية.
من التطبيع إلى بناء الشراكات الإقليمية
قبل عام 2023، عملت تركيا بصورة حثيثة على إصلاح علاقاتها مع عدد من الدول العربية، وعلى رأسها السعودية ومصر والإمارات، بعد سنوات طويلة من التوتر والخلافات السياسية المرتبطة بـما يسمى “الربيع العربي” وصعود جماعة الإخوان المسلمين.
بعد حرب غزة اكتسب هذا التقارب بعداً مختلفاً. لم تعد تركيا تنظر إلى هذه العلاقات باعتبارها مجرد عملية تطبيع سياسي أو اقتصادي، بل كجزء من محاولة لبناء شبكة أوسع من الشراكات القادرة على حماية المصالح التركية في بيئة إقليمية مضطربة.
وفي هذا السياق، جاء “اتفاق مكة” للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان في آب 2026 ليقدّم مثالاً أكثر وضوحاً على انتقال التعاون الإقليمي من مستوى العلاقات السياسية إلى مستوى الترتيبات الأمنية والدفاعية بالرغم من عدم تبلورها بشكل كامل بعد.
تشدّد متزايد تجاه “إسرائيل“
في المقابل، شهدت العلاقات التركية الإسرائيلية تدهوراً بعد 7 أكتوبر، بعدما انتقلت الخلافات السياسية إلى مستوى أكثر عمقاً بفعل الحرب في غزة والتصعيد الإسرائيلي في المنطقة. تحوّلت “إسرائيل” في التصوّر التركي من طرف إقليمي يمكن لأنقرة إدارة الخلاف معه إلى عامل يؤثّر بصورة مباشرة في معادلات الأمن الإقليمي، ولا سيما في سوريا ولبنان وشرق المتوسط خاصة بعد التصريحات الإسرائيلية حول تحوّل تركيا إلى إيران جديدة.
عودة الشرق الأوسط إلى مركز الاهتمام
على الرغم من استمرار أهمية العلاقات التركية مع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، فإنّ السنوات الأخيرة كشفت عن تحوّل واضح في سلّم الأولويات التركية، فعاد الشرق الأوسط ليحتلّ موقعاً متقدّماً في التفكير الاستراتيجي التركي.
شكّل سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 نقطة تحوّل إضافية لا يمكن فصلها عن هذا المسار. أصبح لتركيا مجال أكبر للتأثير في مستقبل سوريا، وفي الوقت نفسه أصبحت الحدود السورية وترتيبات الأمن فيها أكثر ارتباطاً بالمنافسة التركية الإسرائيلية وبملف القوات الكردية.
وتنظر القيادة التركية إلى التطوّرات في سوريا والعراق والخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط باعتبارها القضايا الأكثر تأثيراً في مستقبل الأمن القومي التركي خلال المرحلة المقبلة. لذلك أصبحت السياسة الخارجية التركية أكثر انخراطاً في الملفات الإقليمية وأكثر اهتماماً بصياغة ترتيبات جديدة للأمن والاستقرار في محيطها المباشر.
الربط بين الأمن الداخلي والأمن الإقليمي
شهدت الرؤية التركية تحولّاً مهماً في طريقة التعامل مع الملفات الأمنية الداخلية. في السابق كان ملف حزب العمال الكردستاني يُنظر إليه أساساً بوصفه قضية أمنية داخلية أو مرتبطة بالمناطق الحدودية.
أما اليوم، فأصبحت تركيا تربط هذا الملف بشكل متزايد بالتحوّلات الجيوسياسية الأوسع في المنطقة. الحرب الإقليمية، والتحوّلات في سوريا، ومستقبل القوات الكردية في المنطقة، جعلت القضية الكردية جزءاً من حسابات الأمن الإقليمي التركي، وليس مجرّد ملف داخلي منفصل.
ومن هذا المنطلق يُطرح مشروع “تركيا بلا إرهاب” ليس فقط كخطة لمعالجة مشكلة داخلية مزمنة، بل كجزء من رؤية أوسع لتحقيق الاستقرار الإقليمي وتقليص مصادر التهديد التي يمكن أن تستغلّها القوى الخارجية أو التنظيمات المسلحة.
تعزيز الاستقلال الاستراتيجي
من أبرز الدروس التي استخلصتها تركيا من الأزمات المتلاحقة في المنطقة أنّ الاعتماد على القدرات الذاتية بات ضرورة استراتيجية وليس مجرّد خيار سياسي. لذلك تواصل أنقرة الاستثمار في الصناعات الدفاعية المحلية وتطوير قدراتها العسكرية والتكنولوجية، بالتوازي مع توسيع حضورها الدبلوماسي في الإقليم.
ويعكس هذا التوجّه رغبة تركية متزايدة في تقليل الاعتماد على القوى الكبرى في حماية المصالح الوطنية، وتعزيز القدرة على التعامل مع الأزمات الإقليمية انطلاقاً من أدوات تركية ذاتية.
في المحصّلة، يمكن القول إنّ 7 أكتوبر لم ينشئ تحوّلاً جديداً في السياسة الخارجية التركية بقدر ما سرّع اتجاهات كانت قائمة مسبقاً، وأعاد ترتيب أولوياتها تحت ضغط بيئة إقليمية أكثر اضطراباً. كشفت الحرب وما تلاها من تصعيد إقليمي هشاشة التوازنات التي قامت سابقاً، ودفعت أنقرة إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بسوريا والعراق ولبنان و”إسرائيل” وإيران، إضافة إلى مستقبل القضية الكردية وموقع تركيا داخل منظومة الأمن الإقليمي.
وعليه، لا تبدو السياسة الخارجية التركية اليوم مجرّد استجابة لأزمة وحرب إقليمية، بل جزءاً من عملية إعادة تموضع شاملة تستهدف التكيّف مع شرق أوسط جديد ملامحه لم تتشكّل بشكل كامل بعد.



