اخر الأخبارثقافية

عارف الساعدي.. الإنسان الذي يكتب بصيغة المفرد ليعبّر عن هموم الوطن

المراقب العراقي/ ماجد حميد..

لم تكن بيئة الجنوب يوماً مجرد جغرافيا عابرة، بل هي هوية مغسولة بملوحة سومر، معطرة بعبق النخيل، ومصقولة بصوت الأنهار وحكايات الفوانيس في مجالس السمر. من هذا الطين المعتق، ومن قلب مدينة الصدر “الثورة” النابض بالأصالة، يبرز نموذج إنساني وإبداعي فريد يجمع بين بساطة ابن الشارع الشعبي وهيبة ابن المضايف العشائرية؛ تلك المضايف التي لم تكن يوماً مجرد مجالس، بل كانت ومازالت أكبر جامعة عالمية للإنسانية والأدب والفن، فيها يتعلم المرء كيف يكون صوتاً للمستضعفين قبل أن تطأ قدمه عتبات المدارس والجامعات.

وفي طليعة هذا الجيل الذي تخرج من مدرسة الأصالة والبخت، يقف الشاعر والناقد الأكاديمي الدكتور عارف الساعدي (عارف حمود سالم الساعدي)، رئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، ليمثل صوتاً جنوبياً أصيلاً استطاع بنكهة الأرض وعمق الرؤية أن يشق طريقه بثبات نحو ريادة المشهد الثقافي العراقي والعربي.

لم يكتفِ الساعدي بوهج الموهبة الفطرية، بل عززها بمسيرة أكاديمية دؤوبة في رحاب اللغة العربية وآدابها بجامعة المستنصرية: البكالوريوس (2001): خطوته الأولى في سبر أغوار لغة الضاد والماجستير (2006) في الأدب العربي الحديث، واضعاً أولى خطواته المنهجية في عوالم النقد ثم الدكتوراه (2011) بمرتبة تخصصية عالية في الأدب العربي الحديث ونقده، ليتوج مسيرته لاحقاً بنيل مرتبة “أستاذ مساعد” عام 2015، واضعاً خبرته الأكاديمية في خدمة الأجيال الجديدة.

استطاع الساعدي، برفقة نخبة من أبناء جيله، إخراج قصيدة الوزن والقافية (العمودية) من قوالبها الكلاسيكية الجامدة، وبث روح العصر وتفاصيل الحياة اليومية في شرايينها. تُرجم هذا المشروع الإبداعي عبر مجاميع شعرية حافلة بالبحث الوجودي: رحلة بلا لون” (1999) و”عمره الماء” (2009): بواكير التجربة الشفيفة التي أعلنت عن ولادة شاعر يحمل عذوبة فراتية خالصة. “جرة أسئلة” (2013) وهو الديوان الذي مثل هويته الشعرية الحديثة ونال عنه جائزة الدولة للإبداع في العراق عام 2014. في هذا الديوان، يظهر “قلق السؤال” الوجودي وثنائية الوطن والمنفى، مع أنسنة مذهلة لتفاصيل القرية والطفولة والبيت الدافئ، و”آدم الأخير” (2019): تعميق لأسئلة الوحشة الإنسانية بأسلوب يمزج الفلسفة باللمسة الصوفية، ورواية “زينب” (2021) هي الانعطافة السردية التي أثبتت مرونة أدواته الإبداعية وقدرته على الانتقال من تكثيف الشعر إلى رحابة السرد الروائي ومكابدات الواقع.

في كتاباته النقدية، يظهر الساعدي كناقد ينحاز للإنسان البسيط؛ فهو يرى أن الأدب لا يعيش في أبراج عاجية بل يولد من تفاصيل الرصيف ولغة الناس مثل كتاب “شعرية اليومي” (2007) الذي تناول فيه تجربة الشاعر عدنان الصائغ، مفككاً آليات تحويل الحوادث اليومية العابرة كالحرب والحصار إلى نصوص مشحونة بالرموز والدلالات وكتاب “لغة النقد الحديث في العراق” (2014) رصد فيه منهجياً تحولات الخطاب النقدي العراقي من الأطر المقالية التقليدية إلى آفاق النسقية المعاصرة.

إلى جانب القصيدة والمشرط النقدي، تميز الساعدي بحضور إعلامي وثقافي فاعل ومؤثر فهو المحاور المشاكس والذكي من خلال تقديمه لبرامج حوارية وثقافية رصينة مثل “حبر” و”أنت الشاعر” حيث تميز بطرح أسئلة غير تقليدية تستفز الوعي الأدبي وتوثق لتجارب الكبار.

من خلال رئاسته لمجلة “الأقلام” العريقة، ودوره كمستشار ثقافي قاد وأشرف على إطلاق مبادرات حكومية نوعية؛ لدعم طباعة الكتب، رعاية الرواد من الأدباء والفنانين، وتنظيم المهرجانات الدولية التي تعيد لبغداد ألقها الثقافي.

إن تجربة الدكتور عارف الساعدي هي تجربة “قلق مستمر” وتوق لا يهدأ للجمال والأصالة. هو الإنسان الذي يكتب بصيغة المفرد ليعبر عن هموم وطن وشعب بأكمله، والمثقف الذي لم تزده المناصب والألقاب إلا تواضعاً وانحيازاً للناس البسطاء، لقد ظل وفياً للبخت الذي تعلمه في مضيف أجداده، لتبقى قصائده شاهداً حياً على أن روعة الأدب الحقيقي تبدأ من طين الأرض وتنتهي بملامسة أرواح البشر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى