ثقافية

جمال حيدر .. شاعر عراقي متخصص في ترجمة الشعر اليوناني

 

المراقب العراقي /محمود أبو حامد…

يقول الشاعر الفرنسي بيار ليريس: ان ترجمة الشعر أمر مستحيل، مثلما الامتناع عن ترجمته أمر مستحيل.. في حين أن الشاعر محمود درويش على يؤكد أن القصيدة المترجمة لم تعد ملكاً لمؤلفها.. يقول: أنا لا أتفق مع فكرة استحالة ترجمة الشعر. من الصعب أن تكون دقيقاً، لكن في بعض الأحيان عندما يُعهد بالشعر إلى شاعر، تكون الترجمات أفضل من الأصل.. ويرى البعض أن الشعر المترجم، إما أن يكون أحسن من الأصل، أو أسوأ منه، ويندر أن يكون في مستواه تماماً.. ويرى آخرون أن من الخطأ المغالاة في الأمانة.. الأمانة التي تصحُّ في الحقائق العلمية والمسائل الدينية، لا تصح في الشعر..

وقال الشاعر المترجم جمال حيدر في تصريح خص به (المراقب العراقي): إن تجربتي في الترجمة تبلورت مع الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس حصراً و كانت في البداية أحلاماً ثم انسحبت على الآتي من الأيام لتغدو حقيقة، ترجمتي لريتسوس كانت بمثابة إحساس بدين متأخر تجاه مبدع مجتهد إلى حد التضحية بالذات، كرّس حياته.. كل حياته، من أجل الشعر. ف

وأضاق : ان الضرورة كانت تملي عليّ شروطها القاسية، تبعاً لنوعية الأواصر التي وشجتني لفترة زمنية غير قصيرة مع ريتسوس. ثمة دافع آخر يتمثل بمستوى شاعرية ريتسوس واستيعابها لإشكالية واسعة وكبيرة، طرحها عبر مستويات شعرية محتدمة تثير الجدل، قضايا كهذه بالنسبة لي على وجه التحديد، كانت أقرب إلى حث متواصل للذاكرة في استرجاع أشياء عالقة على حواف الضياع. تعرفت على ريتسوس عن قرب ورافقته وتعلمت منه وتأثرت بشخصيته وبعلاقاته مع الأشياء والأحداث، خلال دراستي في أثينا، وقبل أن أصل بيتي أصل إلى بيته أولاً، يستقبلني بفرح غامر، لهذا تغدو الكتابة عنه وترجمة أشعاره أكثر صعوبة وأوسع عسراً.

وتابع : ان ترجمة ريتسوس هي أقل ما يمكن تقديمه للقارئ العربي غير المتجذر، الذي لم يعرف شاعراً بقامة ريتسوس، أو ذلك الذي يسعى لتعزيز معرفته بأشعاره وأعتقد أن اختياري كان موفقاً، فريتسوس فتح لي باب الأدب اليوناني المعاصر على مصراعيها، لذا فأنا مدين له في هذا الخصوص.

وأكمل :أين تكمن أهمية يانيس ريتسوس؟ إنه الشاعر اليوناني الأكثر ريادية وسطوعاً، لوّن خلال مسيرته الإبداعية التي تجاوزت (56) عاماً مداه الإغريقي والمتوسطي، والعالمي لاحقاً، بآفاق شعرية وضعت الشعر في سياقه التاريخي. رشح مرات عدة لجائزة نوبل للآداب بشكل رسمي ابتداءً من عام 1980 لكنه لم ينلها بسبب انتمائه اليساري في أزمنة الاستقطاب السياسي والفكري الحاد بين القطبين، وحين نالها الشاعر التشيلي بابلو نيرودا عام 1971 قال: «أعلم تماما أن ذلك الإغريقي ريتسوس يستحقها أكثر مني».

وواصل :من خلال تجربتي اليتيمة مع الترجمة من اللغة اليونانية إلى العربية، أرى أن فعل الترجمة لا يقتصر على نقل جملة أو فكرة أو صورة شعرية من لغة إلى أخرى، بل يمتد في مسار تحويل جوهر لغة وكينونتها المجتمعية وعمق وجودها الحضاري، وحتى سلوكها المعرفي إلى جوهر لغة أخرى بكل عمقها الثقافي والفكري والمعرفي فالترجمة لا تقتصر على استبدال لغة بأخرى وحسب، بل ثقافة بأخرى ومسار وعي جمعي بآخروهكذا.

وأوضح : على الصعيد الشخصي استقطر الجملة بهدوء وتأن، وبمحبة كبيرة أيضاً، كمن ينحت بدأب في الصخر، محاولاً صناعة أجمل المفردات وأكثرها شهوة. لذا أحاول أن أكتب بحبر متعة الصورة وسحر الإيقاع وغنج المعنى. اختياري لهذا النسق لأجل أن أكون أكثر قرباً من نفسي، وأوسع فهماً لأسرارها، وليقرأ الأصدقاء ما أكتبه ليشاركوني المتعة ذاتها.

وبين : صدرت لغاية الآن أربعة مجلدات من الأعمال الشعرية الكاملة لريتسوس، والخامس في طريقه للنشر، بمعية الصديق الشاعر عبدالكريم كاصد، الذي يقارن الترجمة اليونانية بأخرى في الإنكليزية والفرنسية التي يجيدهما.

وختم :ان  ترجمة ريتسوس هو مشروع العمر الذي أعود إليه في مساحات الزمن الممكنة بين مشروع كتاب وآخر، باعتباري كاتباً أولاً وأخيراً. وهذا ما يصب حقاً في تقنية الترجمة ونقلها إلى مستويات إبداعية تتداخل فيها الأشكال والأطياف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى