اراء

حركة حقوق وقبول الآخر

بقلم / بهاء الحيدري…
إبتداءً إن تقسيم المجتمع الى آخر يقابله آخر اقتضته طبيعة الثقافات المكونة للمجتمع العراقي والتي لم تتمازج تماما لأن التنوع حق طبيعي لا يمكن سلبه من أحد.
ليس صحيحا ما يروج له البعض من أن تعبير “قبول الآخر” هو من نتاجات العلمانية، وأنه غريب عن ثقافتنا، وفي الموروث أن أمير المؤمنين”ع” وصف الخوارج الذين قاتلوه في النهروان أنهم إخوان لنا بغوا علينا، ولدينا تراث عظيم في هذا السياق من التعايش في بلاد الإسلام من معتنقي الديانات الأخرى، وفي الموروث أيضا استعانة الحكام المسلمين بهم في إدارة شؤون الدولة، إذاً فإن ثقافة “رفض الآخر” هي الجديدة على واقعنا الاجتماعي، وهي وليدة الأفكار الشمولية التي تسربت الى هذا الواقع مع ظهورالعقيدة الوهابية، ومع تفاقم سيطرة الفكر الشوفيني العنصري وتغلغله في أوساطنا المجتمعية في بدايات القرن العشرين على يد من أدلجوا القومية العربية وأعطوها بعدا عنصريا من أمثال ساطع الحصري وميشيل عفلق..
إن حركة حقوق وبناءً على ثقافتها الإسلامية الأصيلة وبنائها العقائدي المتسامح تعتقد أن قبول الآخر نهج أصيل في مجتمعنا وهو قاعدة دائمة والاستثناء هو رفض الآخر، إن عوامل الديمومة يجب أن تنمى وتنحى عوامل الاستثناء، وليس هناك من سبيل إلا بسلوك المعايير الشرعية في المقام الأول منضبطا بما أحله الله وبما حرمه. ، والوطنية في المقام الثاني بتقديم المصلحة الوطنية على ما سواها، وإنسانيا في المقام الثالث لأننا لسنا وحدنا في هذا العالم ويتعين علينا أن ننهض بقسطنا في البناء الحضاري، ولن يتم ذلك برفض الآخر..والآخر أي آخر.هذه هي الرؤية التي تحتضنها حركة حقوق في موضوع الآخر
في مناقشة قضية “ثقافة قبول الآخر” علينا تعريف “الآخر” ، تفترض أن نلزم أنفسنا بقيد نراه موضوعيا هو ألا نطرح التعريف تحت وطأة مشاعر محتقنة، فالمثقف رائد وكما علمنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإن “الرائد لا يكذب أهله”، ولذا نفترض أولا أن “الآخر” هو “كل صاحب مخالفة” ،وتحت هذا العنوان سيندرج الجميع ما عدا “الأنا ـ الفرد!” لأنه من العسير جدا أن نعثر على تشابه تام بين شخصين بعينهما، فما بالك بالملايين، ونفترض ثانيا أن الآخر هو “الضد الجنسي” الرجل والمرأة، فالرجل “آخر” للمرأة، والمرأة “آخر” للرجل، ونقسم المجتمع الى نصفين سيكون أحدهما آخر للآخر، وتلك رزية ستحيلنا الى مجتمعين أحدهما ذكوري وثاني أنثوي، وسيسقط هذا الافتراض، وسنفترض أن الآخر هو “الغير” اللساني، أي من يتحدث بلغة غير لغتنا، وسنفترق الى أقوام ناطقة تتحدث بلغات مختلفة تتحشد خلف حروفها وسينعدم التفاهم بين الجميع..وسنفترض رابعا أن الآخر هو “الغير” الديني، وهنا سيتمسك كل منا بدينه وبنبيه وسيكون عسيرا أن نتفق بعد أن لم نتفق منذ ألفي عام تقريبا، وسنفترض أن الآخر هو “الغير” المذهبي، وهنا سيشتد الخلاف إذاً سنثرد طعامنا بدم بعضنا مثلما ثردنا بدم بعضنا البعض منذ خمسة عشر قرنا!..ولن نتفق مع أننا جميعا نقول إننا مسلمون!!…
إذا لم يتبق عندنا سوى “الآخر” المختلف بالمصالح سواءٌ كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، في الحالة الاقتصادية يقتضي الأمر اتفاق مبني على قاعدة الأخذ والعطاء، أو العرض والطلب، في الحالة الاجتماعية تضيق دائرة الاختلافات لأننا جميعا من مجتمع واحد وإن لم يكن موحد، أي أن عوامل التوحد هي الغالبة، ولم يتبق إلا “الآخر” في السياسة وهنا تكمن علة العلل..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى