اراء

الانتخابات و”كلبدون” والوطن…

بقلم / قاسم العجرش …
كانت جدتي واسمها (كلبدون) ..(الكلبدون) هو خيوط الحرير الطبيعي ..تزورنا كل شهرين مرة، وكنا صغارا ننتظر زيارتها بلهفة وشوق عارم، كانت عندما تقدم تحمل “صرة” تفتحها وتنادي علينا واحدا بعد واحد، وكنا نفرح بهداياها على الرغم من بساطتها ورخص ثمنها، لكنها هدايا الجدة(كليبد) تصغير اسمها (كلبدون)، كانت تقبلنا وأثناء تقبيلها لنا تتلمس عضلات سواعدنا، وتنظر في عيوننا..”أشو ضعفان؟ هاي ما تاكل زين ،يمكن عندك فقر دم، اكل تمر” ..لكنها قبل الغروب تقول :”سيب ياكَلبي دا سيب ولا ليلة عند النسيب!!”
أشرحها لكم!: إن جدتي كانت تقول حتى لو أسيب في البراري فلن أبيت ليلتي في بيت نسيبي! كانت تقول : “بيتي أفيا لي” !اشرحها لكم !: بيتي أكثر فيئا لي من كل البيوت!
حين كانت الجدة العزيزة تطلق تلك الكلمات، كان جميع من في المنزل؛ يعرفون أنه إيذان برغبتها في العودة إلى منزلها الصغير، في الحي الضيق بالمدينة القديمة. فرغم أن الجميع، كبارا وصغارا كانوا يخدمونها بتفان، لم تكن تريد أن تغيب عن منزلها وحيها وجيرانها طويلا..مرة تتذرع بالزرع الذي لم يُسقَ ـ كان عندها مساحة أربعة أمتار مربعة زرعتها فجل وكرفس ورشاد ـ ومرة بالحمام الزاجل الذي يزور السطح بانتظام، حيث تعود أن تنثر له صباحا ومساءً بعض القوت كيلا يهجر المكان.
أسباب كثيرة جعلتها تؤثر منزلها الصغير في ذلك المكان الضيق، لكن السبب الكبير والمبهم الذي كانت لا تبوح به هو حبها لـ”المكان”.
ويحدث أن تكون الأمكنة مؤثرة في سلوكنا وفي بناء شخصيتنا..والمكان ـ خصوصا مساقط رؤوسناـ أشد تأثيرا فينا من أي شيء آخر..ويظل المكان ساكنا فينا، ولسنا نحن الذين نسكنه!…
طفولتنا…يفوعتنا..صبانا..مراهقتنا…
في مراهقتي القصيرة زمنا، كنت أعرف أن في البيت المقابل لبيتنا فتاة، ولم يكن ممكنا أن أراها أو أحدثها..كنت أعرف شكلها منذ أن كنا صغارا، لكن ما إن كبرت حتى انغلق عليها “المكان”.
كنت أعلم أنها تقطن في غرفة في الطابق الثاني، وكنت أرى من هذه الغرفة ضوء مصباح خافت”ابو الأربعين واط مال أيام زمان” يضاء عند الغروب، وبإضاءته تبدأ ملحمتي! كنت بالحقيقة أشعر بالاطمئنان كلما كان المصباح مُضاءً، لكن ما إن يجن الليل ويطفأ المصباح، إلا ويعتريني هم غامض لا أعرف له عنوان، لكني عندما كبرت وعرفت الطريق الى الأدب والمعرفة والكتابة، وصفت شعوري بأنه عشق للمصباح!!..
لأنني لم أر تلك الفتاة قط….مازلت أمر بحينا القديم وكلما أمر أرفع رأسي الى الطابق الثاني علني أرى ضوء المصباح.!..
أعتقد أننا جميعا إذا زرعنا فجل وكرفس ورشاد مثل جدتي في باحات بيوتنا، وإذا أحببنا كل مصابيح الوطن، فإن “مكاننا” وأعني به وطننا، سيبقى أخضرَ مُضاءً بالحب أبد الدهور…فتعالوا ننتخب وطن تضيئه مصابيح المجاهدين والشهداء..
كلام قبل السلام: الخبرة . هي المُشط الذي تعطيك إياه الحياة ..عندما تكون قد فقدتَ شعرك!!
سلام…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى