نتنياهو على خطى ترامب.. سقوط سياسي فأزمة داخلية فمحاولة ترميم الصدع

بقلم/علي عبادي..
تعيد التطورات الأخيرة في الكيان الصهيوني النقاش حول مدى تأثر هذا الكيان بالسياسة الأميركية والمتغيرات الداخلية في الولايات المتحدة. فمنذ سقوط ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية، بدأ العد العكسي لسقوط نتنياهو -الرديف الاسرائيلي لشخصية ترامب- ولو أن الأول تمكن من إعادة إنتاج زعامته من خلال ثلاث دورات انتخابية متتالية وأعدّ العدة لدورة رابعة بهدف تحصين موقعه من المحاكمة في قضايا فساد واحتمال إزاحته من المشهد السياسي عبر ائتلاف حزبي منافس. غير ان ألاعيب نتنياهو لم تصمد أمام نتائج الحرب الأخيرة مع غزة والتي قلبت المناخ السياسي في كيان الاحتلال، الى درجة تحميل حكومته وزر فقدان الردع مع غزة وضعفه في التعامل مع المقاومة وقدراتها المتنامية.
ينبغي أن نلحظ أن هناك تشابهاً نسبياً في أحداث الساحتين الأميركية والاسرائيلية:
فمن جهة، أدى غلوّ اليمين الأميركي على الصعيد الداخلي الى انقسام خطير ولّد رغبة عارمة لدى كل مناهضي ترامب (وبعضهم من أعضاء الحزب الجمهوري) في التخلص منه عبر صناديق الاقتراع، فكان التصويت الغالب احتجاجياً على سياسات اليمين المتطرف (الذي يمثله ترامب) أكثر مما كان تأييداً لمنافسه بايدن وبرنامجه الانتخابي. وفي الساحة الاسرائيلية، أدت سياسات اليمين الى استقطابات داخل المجتمع الصهيوني ليس بين يسار ويمين، بل داخل اليمين نفسه، وظهرت قناعة على نطاق واسع بأن نتنياهو يتشبث بالسلطة بأي ثمن حتى لو أدى ذلك الى حرب أهلية، مستعيناً في ذلك بالأحزاب الدينية الصهيونية التي تتبادل معه الخدمات الانتخابية والمنافع الحكومية.
ومن جهة أخرى، حدث في ما مضى ترابط بين شخصيتي ترامب ونتنياهو تمظهر في تماهٍ غير مسبوق بين التوجهات السياسية للجانبين في قضايا عديدة. وشجع سقوط ترامب في الولايات المتحدة العديد من الساسة الإسرائيليين على التفكير في التخلص من حليفه الأوثق نتنياهو، لكنهم لم يكونوا يملكون الطاقة الكافية لتوحيد صفوفهم. وجاءت المواجهة الاخيرة مع الفلسطينيين لتكشف ضعف بنية الكيان وسياسات حكومة نتنياهو، فكان التوجه لدى عدد من القوى الحزبية هو التضحية به كبشَ فداء على قاعدة الحفاظ على السياسات اليمينية المهدَّدة أمام نهضة فلسطينية عارمة من جهة، والتناغم مع السياسات الأميركية قدر الإمكان من جهة اخرى. وبذلك، يتم إنقاذ برنامج اليمين الصهيوني الاستيطاني وتسقط محاولات نتنياهو تعريض التحالف مع الولايات المتحدة للاهتزاز بفعل معارضته عودتها للاتفاق النووي مع ايران.
“العودة الى بيت الطاعة“
بعد هذه المحطة الثالثة، تعود “إسرائيل” مجدداً الى ما يمكن تسميته “بيت الطاعة” الأميركي أو التكيف مع المصالح الأميركية الكبرى، وهذه العودة مبنية على قاعدة عدم التصادم مع السياسات الأميركية وضروراتها الإقليمية في التعامل مع ايران النووية تحديداً، وتخفيف الاحتكاك والتباين مع الادارة الاميركية في التعامل مع الملف الفلسطيني الملتهب هذه الأيام، لكن ليس بالضرورة على حساب التوجهات اليمينية في مشروع الاستيطان الذي يُعد جوهر المشروع الصهيوني. تلاقت المصلحة الأميركية الرسمية ومصلحة إسرائيلية حزبية داخلية في إزاحة نتنياهو من المشهد. وستستغل الإدارة الاميركية هذا التغيير لمحاولة إحياء المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وحكومة الاحتلال بهدف نزع الشرعية عن المقاومة الفلسطينية والمحور الذي يساندها في المنطقة، وستقدم واشنطن حوافز هامة لحكومة اليمين الصهيوني المقبلة برئاسة بينيت لكي تسمح بحدوث تقدم في مسار التفاوض. وهنا ستبرز معوقات جديدة من خلفاء نتنياهو الذين يتبنون علناً نهجاً متشدداً حيال حقوق الشعب الفلسطيني، خاصة في ما يتعلق بإخلاء بعض الأراضي المحتلة أو تجميد الاستيطان او إقامة الدولة الفلسطينية، وهذا سيعيد الأمور لاحقاً الى الحلقة المفرغة السابقة على صعيد المفاوضات.
ولا بد من الإشارة الى ان إدارة بايدن ليست مطلقة اليد في املاء سياساتها على “إسرائيل”، خاصة في ظل التناقضات داخل البيئة السياسية الاميركية وداخل الحزب الديمقراطي نفسه. لكن حاجة “إسرائيل” الماسّة الى دعم الولايات المتحدة هي حاجة وجودية من أجل تحمل الضغوط والحفاظ على التفوق العسكري النوعي، ما سيدفع الحكومة الإسرائيلية المقبلة الى تقليل الاحتكاكات العلنية مع أميركا بهدف تجاوز تحديات هذه المرحلة.
من المهم في الختام مراقبة مدى نجاح الحكومة الصهيونية المقبلة في:
– إدارة التوتر الداخلي المصحوب بتهديدات بالتصفية الجسدية داخل صفوف اليمين.
– إدارة المواجهة العسكرية مع قطاع غزة.
– إدارة التباينات مع الادارة الاميركية في الملف الفلسطيني والملف النووي مع ايران.
وعلى الصعيد الأميركي، من المهم ملاحظة مدى قدرة الإدارة الأميركية على:
– تمرير الاتفاق مع ايران بدون ارتدادات من داخل الكونغرس وأوساط المحافظين الأكثر التصاقاً بالمصالح الإسرائيلية.
– التعامل مع الملف الفلسطيني الشائك بوجهيه العسكري والسياسي، على ضوء نتائج المواجهة الاخيرة التي أعْلت من كلمة المقاومة الفلسطينية.



