اراء

في رثاء المرحومة (عيب) .

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي ..
لمفردة “عيب” في اللغة العربية أكثر من معنى ودلالة فقد تأتي اسما (عَيْبٌ) ومصدرها عابَ أوْ عَيَّبَ وقد تأتي فعلا يُعيِّبُ تَعْيِيباً فهو مُعيِّبٌ والمفعول مُعيَّبٌ . عَيَّبَ فلانًا جعله ذا عيبٍ ومَنْقصةٍ . وجمعها عيوب وتعني العَيْبُ وصمة نقيصة ، شائبة ، مَذمَّة ، عورة وقد يكون العيبُ عَيْباً خِلْقِياً وهو علَّة فسيولوجيَّة أو بنيويَّة كنتيجة للنموِّ ذي العُيوب أو النقائص أو العدوى أو الوراثة أو الإصابة بأذى . وفي المعنى الأخير ما يمت بصلة لبيت القصيد فيما نود أن نقول . كلمة عيب في الموروث الشعبي العراقي تأتي في دلالاتها من أصولها وجذورها حيث حكمت العلاقات المجتمعية العراقية بالذوق ووضعت حجر الأساس لأصول التربية السليمة المستثناة منها ابتداءً أغلب المشتركين في العملية السياسية العراقية نوابا ورئاسات ووزراء ومسؤولين باستثناء قلة من الأولين وقلة من الآخِرين . تحية إجلال وإكبار لتلك الكلمة التي عرفناها من أفواه الأمهات والآباء وتقبلناها بحب وتعلمنا أنها ما قيلت إلا لتعديل سلوكنا فاعتبرناها مدرسة مختزلة في ثلاثة حروف ليس إلا (عيب) . تحية تعظيم وتقدير لأكاديمية (عيب) التي خرَّجَتْ زوجات صابرات صنعن مجتمعات الذوق والاحترام وتخرَّج منها رجال بكل معاني الرجولة تبوأوا القيادة في الشهامة والشجاعة والصدق . أبجديات (عيب) جامعة للدراسات العليا بحد ذاتها ومقرراتها المجانية بألف دورة مدفوعة التكاليف . بحروفكِ يا كلمة “عيب” كان الصغير يُقدِّرُ الكبير ويحترم الجار جاره ويحفظ حرمته وبها تداولنا صلة الأرحام بمحبة وشوق وتقديس وتبجيل . كان الأب يقف ليرشد ابنه في أصول التعامل وثوابت الأخلاق فيقول (عيب) , عمك ، خالك ، جارك ، أستاذك . فاحترم , سَلِّم ، سامح . كان يقال للبنت (عيب) لا ترفعي صوتك ، عيب لا تلبسي كذا فتربت البنات على الحشمة والستر والأدب والعفة والحياء . وتربى الشباب على غض البصر واحترام حصانة الآخر . نعم كنا نسمع منهم عيب لا تنظر للنساء . عيب لاترفع صوتك بوجه استاذك . لاتهزأ من المسن وتربينا صغارا على عيب لا تنقلوا سر الجار والدار . كانت ( عيب ) منبراً وخطبةً يرددها الأهالي بثقافتهم البسيطة فلم يكونوا خطباء ولا دعاة أو مُفتين وإنما هي مصداق سجيتهم في فطرتهم لإحياء الفضيلة وذم الرذيلة . اليوم عناوين الحزن والحداد على المرحومة (عيب) تملأ الجدران والعقول والقلوب فلم يعد الحرام عيبا ولا التطاول على المقدسات عيبا ولا التجاوز على الكبير عيبا ولا الحرشة ببنت الجيران أو فتاة في الشارع عيبا ولا الغش ولا الخيانة ولا الكذب عيبا !! نحن الآن نعيش في جيل جديد لم نفلح في غرس كلمة “عيب” ولا شقيقتها الكبرى “حرام” في التفاهم مع سلوكياته أو مع الانحطاط بمسمى التطوير وصرعات العولمة والعلمنة التي نسفت كل المفاهيم والقيم حتى ماتت كلمة “عيب” فمن ذا الذي يحييها وكيف يحييها وإنا لله وإنا إليه راجعون .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى