المحاصصة السياسية الليبية والاستعداد لمرحلة صنع القرار و إعادة الاعمار !ج1

بقلم/ منير البشير الساعدي…
في أحد كتاباتي عن المحاصصة و وصفي لها دائما بالمقيتة التي لم تطبق تاريخيا إلا في المجتمعات المتخلفة المتنازعة المتحاربة و كحل مؤقت للخروج من أزمة عرقية أو مذهبية أو قبلية أو حرب أهلية، لتذهب بنا للدخول في أتون التقسيم الفعلي و خير مثال على ذلك هو السودان و انقسامه و فلسطين التي ذابت قضيتها بين سجال الضفة الغربية و قطاع غزة.
فقد عقب أحد المتابعين بالقول لماذا تعتبر المحاصصة أمراً معيباً مسيئاً في الوقت الذي تطبق في الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها؟
فأقول له بأن لديه لبس في الفهم والرؤيا، فإن المحاصصة التي يدعي أنها تطبق في أمريكا هي أمر مختلف تماماً في جوهره وهدفه عن ما ذهبنا إليه في مجتمعاتنا المتنازعة المتناحرة. فالمحاصصة إذا افترضنا أن هذا النوع منها لا يطبق إلا في أمرين منصفين في أمريكا، لا أعتقد بأن ثمة إنسان واقعي يرفضهما وهما:
- توزيع المقاعد البرلمانية وفقا لنسب عدد السكان على أن يتم كل سنوات معينة إجراء تعداد سكاني و الذي على ضوئه يتم إعادة النظر في توزيع المقاعد البرلمانية.
- توزيع قيمة المساعدات الاتحادية أو الفيدرالية على كل ولاية وفقاً لعدد السكان و ليس لكمية الثروات الموجودة في هذا الإقليم أو ذاك.
و من هذا المنطلق نفهم بأن العملية برمتها وببساطه هي عملية تنظيمية صرفة لا علاقة لها مطلقا بالمحاصصة الجهوية السياسية التي بدأنا نمارسها. ففي أمريكا لا يوجد شرط محدد يفرض أن يكون وزير الخارجية من ولاية معينة أو مذهب معين أو عرق معين أو قبيلة معينة وهذا الرئيس الأمريكي جو بايدن كاثوليكي المذهب و قبله بعقود الرئيس جون كيندي يحكم بلداً غالبيته من البروتستانت المسيحيين و الأمر عادي جداً لدى الأمريكيين ولم يشن عليه أحد هجوما يعيبه ككاثوليكي لكنه سيواجه حتماً بمنتهى الشدة والنقد إن فشلت سياساته في تحقيق التطور الاقتصادي المطلوب أو إذا لم يحسن من أحوال الناس المعيشية. و بذلك فإن التقسيم الجهوي أو القبلي كما يحدث لدينا هنا وطبقناه في من تولى المناصب في السلطة الانتقالية الجديدة أمر مغاير تماماً و بعيد كل البعد عن عقلية الأمريكي وتفكيره وتطبيقه أصلاً.
فالحقيقة التي يجب أن تكتب وتقال للتاريخ هنا و يتم الإشارة إليها أن أمريكا التي ترفض المحاصصة في نظامها السياسي الداخلي و آليات الحكم باعتبارها من رواسب التخلف ما قبل الحداثة هي أمريكا ذاتها التي تحرص على تطبيقها في سياستها الخارجية و التاريخ المعاصر و يؤكد ذلك عمليا هو الدور الإجرامي والكريه “لبول بريمر” الحاكم العسكري الأمريكي للعراق إثر إسقاط نظام صدام حسين في 2003 في غرس و تطبيق المحاصصة المذهبية والعرقية هناك بتقسيمه للعراق إلى ثلاث فئات مذهبية وعرقية( الشيعة والسنة والأكراد) والذي لا يزال العراق الشقيق يعاني من مصائبه و تداعياته الخطيرة على تماسك نسيجه الاجتماعي إلى اليوم وحتى لحظته.
كما أن من غرائب الصدف أو هكذا أظن حتى لا يتهمني أحد بالسذاجة أو قصر النظر أن من غرس وطبق المحاصصة في ليبيا وفقاً لاتفاق ملتقى حوار جنيف و أفرز السلطة الجديدة على هذا النحو من التقسيم الاقليمي ثلاثي الأضلاع هي المبعوثة الأممية
هذه دروس وعبر من الواقع المعاش لدول طبقت نظام المحاصصة فلم تَرى استقراراً و أمناً على الإطلاق، و لا أنسى الوضع اللبناني المهترئ بعد مأساة العراق مثال لا تخطئه عين كل مراقب وطني شريف غيور.
حيث لم يعد لبنان بعد عقود من تطبيقه (لاتفاق الطائف) الطائفي إلا كمن أخذ جرعات كبيرة من دواء الكرتوزون في غير موضعه قد أراحته حيناً من الدهر، لكنها كانت سبباً كارثياً في ما حل به من أسقام وعلل ليس من السهل الشفاء منها بعدها!!!
إذا فإن المحاصصة السياسية ما هو إلا إعداد و تجهيز لخريطة الشرق الأوسط الجديد الذي بني على أساس تقسيم المقسم و تجزئة المجزئ، مع صناعة صراعات و حروب أهلية مبنية على أسس طائفية و عرقية و قبلية و جهوية.
مع كل سالف الذكر هل ستذهب ليبيا لمرحلة صنع القرار و إعادة الإعمار!!
أعتقد بأن فرضية صنع القرار الوطني السيادي و إعادة الإعمار، هما أمران مهمان. فماذا أعددنا لهما كجانب ليبي من أوراق و تقارير و ملفات عن آخر تطورات التعاون الثنائي والمسائل العالقة وكيفية تسويتها؟!
فأقول له بأن لديه لبس في الفهم والرؤيا، فإن المحاصصة التي يدعي أنها تطبق في أمريكا هي أمر مختلف تماماً في جوهره وهدفه عن ما ذهبنا إليه في مجتمعاتنا المتنازعة المتناحرة.



