اراء

يا فاسد من أفسدك ؟!

بقلم / قاسم العجرش …
تعج وسائل الإعلام بمئات الآلاف من المواضيع التي تتناول الفساد، ودُبجت آلاف المقالات والدراسات والبحوث عن هذا الموضوع، الذي تحول إلى علم اشتغلت عليه آلاف الأطاريح والرسائل العلمية، وصار عندنا كثير من الذين يحملون شهادات الدكتوراه والماجستير بموضوعات متعلقة به..
إنه عالم واسع، أكثر من أن يحاط، ومع ذلك تجده ينمو ولا يتوقف أبدا، وصارت له “بؤر” و”جماعات” و” مراكز نفوذ” وعمليات تخادم ، وانتشار بالاتجاهين العمودي والأفقي. وفي اللحظة التي يُلقى القبض فيها على فاسد بالجرم المشهود في مطعم، تجد مسؤولا حكوميا يجلس في مكان هادىء مع ضيف عزيز على جيبه، وهو يبرم صفقة فساد بلا خوف أو وجل أو حياء.
لقد تحول الفساد إلى “مهنة”، لها قواعدها وبنيتها التحتية، وأصولها وثقافتها وبروتوكولاتها، إلى جانب أن معظم الفاسدين يجدون مُسوِّغات لفسادهم، ومعظمهم يعتقد وبشكل جدي أن ما يفعلونه “حق” طبيعي، وبينهم من يوظف النصوص الدينية في هذا الاتجاه، وقصة مجهول المالك الشرعية، أحد قصص العار في تسويغ الفساد!
المفارقة أن جميع الفاسدين يمتلكون خبرات تنظيرية في محاربة الفساد، وهكذا نجد كبار الفاسدين من الساسة والمسؤولين، يعملون على إنشاء مؤسسات حكومية ومنظمات مجتمع مدني، وأجهزة قضائية وأمنية، عناوينها الكبرى “محاربة الفساد!
منذ 2003 ولغاية اليوم عقدت عشرات المؤتمرات، ووضعت كثير من الاستراتيجيات والخطط لمحاربة الفساد، لكنها جميعا لم تحقق أي هدف من أهدافها حيث لا يزال الوضع خطيرا من حيث تفشي الفساد والرشوة واستباحة المال العام.
على الدوام كان الكلام عن محاربة الفساد، في المناهج الحكوميّة منذ 2006، جميلاً ومنمّقاً ومرتّباً ومصنّفاً ومجدولاً، لكن عند التطبيق يُطاح بهذا كله، وينصرف أهل الحكومة عن منهاجهم، إلى شؤونهم الخاصة والحزبية وإلى امتيازاتهم وفسادهم، فيما يبقى الشعب، هدف المنهاج الحكومي وغايته، في حال تشبه حال البطة السوداء وأبنائها.
في كل مرة يعلو فيها الحديث الرسمي والشعبي، عن مكافحة الفساد، وأن تعليمات مكافحة الفساد، تعني ضرب بؤر الفساد والضرب بيد من حديد، وأن لا أحد فوق القانون، ولا أحد فوق المساءلة، بصرف النظر عن مراكز الفاسدين الاجتماعية أو الرسمية، وأن المواطن سيلمس “بإذن الله” من الآن فصاعداً”، آلية جديدة في التعامل مع ملفات الفساد..
حينما نسمع نحن أصحاب قلوب السمك عبارة”بإذن الله”، نتخيل أننا نقف على أعتاب مرحلة جديدة، عنوانها أن لا أحد فوق المساءلة، وأن أسماء كبيرة سيطاح بها، وسوف يتم فتح ملفاتها على الملأ، لتخضع إلى التحقيق والاستجواب، والذهاب بها إلى القصاص العادل، لكننا نكتشف أن عبارة “بإذن الله”، ما هي إلا جعجعة فارغة، وأنها “شغلة” ضرورية جدا في قصة الفساد، فهي لازمة مهمة من لوازم التنظير لتبرير الفساد أو لمكافحته على حد سواء..!
القصاص العادل يعني ابتداءً استعادة المال المنهوب، ومصادرة الرِّشى، ومحاسبة الراشي قبل المرتشي، على قاعدة يا فاسد من أفسدك، لكننا بعد فترة نكتشف أننا؛ كنا في خضم لعبة بهلوانات، وأن كل الذي يجري في المشهد، ما هو إلا جزء من عملية فساد أكبر؟!
الفاسدون الكبار لا يمكن لأحد محاسبتهم،لاسيما إذا كانوا من الأكراد، حيث مكافحة الفساد أمر في غاية الصعوبة، وتطبيق القانون على قادة إقليم كردستان، أمر مستحيل تماما، فراية الانفصال مرفوعة دوما، والحكومة المركزية ليس لديها حد أدنى من السيادة هناك، خاصة أن الدخول في طريق المحاكمات والقضاء، سيفتح ملفات فساد عديدة وكبيرة، قد تطيح برؤوس ضخمة، من غير المسموح الاقتراب منها!
كلام قبل السلام: إقليم كردستان كل شيء فيه فاسد، وبالخصوص الأخص البيض..!
سلام..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى