الأردن وصراع الإخوة في ظلّ الأزمات ورسم الخرائط السّياسيّة

بقلم / هدى رزق…
لا يمكن اعتبار ما يجري في المملكة الأردنية الهاشمية من نزاع بين الأمراء أمراً جديداً، ولكنَّها المرة الأولى التي تصل إلى الحديث عن تخطيط لانقلاب ضد الملك. كانت المملكة قد شهدت عقب اغتيال الملك المؤسس عبد الله الأول في العام 1951 أياماً متوترة بين الأمراء، حسمتها الملكة زين مع البريطانيين من دون ضجة تُسمع.
وفي العام 1999، قام الملك حسين قبل وفاته بأسابيع بتعديل ترتيب الخلافة، وعيّن نجله الأكبر عبد الله، ليحل محل شقيقه حسن، الذي كان ولياً للعهد منذ العام 1965. وعلى الرغم من الصدمة الشخصية العميقة، لم يحتجّ حسن على التحول، وعبّر دائماً عن دعمه العلني لابن أخيه كملك. وقد حدثت ديناميكية مماثلة بين الأمير عبد الله الثاني وأخيه غير الشقيق حمزة بعد 5 سنوات من وفاة والده.
الرجل الذي اشتهر بالتواضع والارتباط بالقبائل الأردنية، لم يعترض علناً على القرار في ذلك الوقت، إلا أن تغيّر الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المملكة إثر تحولات تعيشها المنطقة، انعكس على مجمل الحياة السياسية فيها، وطرح أسئلة كبرى على مقرري السياسة في الداخل الذي يعاني وضعاً اقتصادياً وأمنياً يغلي على صفيح ساخن.
هذا الوضع فتح الباب لإثارة النقد والتململ داخل البلاد، ما حمل الأمير حمزة على تقديم نفسه كشخصية متعاطفة مع الشعب، وكصورة رمزية للإصلاح بين الأردنيين المستائين من الوضعين الاجتماعي والاقتصادي في البلاد، وخصوصاً العناصر القبلية الساخطة.
لطالما اعتبرت سوريا السوق الأساسية بالنسبة إلى المواطنين الأردنيين قبل الحرب، نظراً إلى دعم السلع الذي كانت تؤمنه الحكومة السورية لمواطنيها وجيرانها المستفيدين من سياستها، وفي طليعتهم لبنان والأردن.
لقد شكّل اللاجئون السوريون عبئاً كبيراً على الاقتصاد الأردني الضعيف. كانت الولايات المتحدة قد قدمت في العام 2011 ما يقارب 700 مليون دولار على شكل دعم إنساني للاجئين في الأردن، ثم وقّعت مذكرة تفاهم في شباط/فبراير 2015 لزيادة المساعدة السنوية الأساسية من 660 مليون دولار إلى مليار دولار سنوياً حتى العام 2017.
كانت تكاليف استضافة اللاجئين تعادل 17.5% من ميزانية البلاد، وساهمت بشكل كبير في عجز الأردن البالغ ملياري دولار، وأصبحت بطالة الشباب 30%، وأدى تنافس اللاجئين على وظائف نادرة إلى زيادة التوتر الاجتماعي.
أما التقارير، فقد أشارت إلى أنَّ ما يقدر بثلاثة آلاف أردني كانوا يقاتلون في سوريا، ولكن في فترة لاحقة، ومع ازدياد عمليات الجيش السوري المدعوم روسياً وبداية المصالحات، غيّرت عمان سياستها، وعملت في ما بعد لوقف تدفّق اللاجئين واحتوائهم.
“المتغيرات الإقليمية برعاية دولية تقلق الأردن “
في ظلّ سياسات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب المحابية لـ”إسرائيل”، ركَّز صهره جاريد كوشنير على كل من السعودية ومصر والإمارات العربية بشكل خاص، وأهمل الأردن، الذي عاش في هذه الفترة وضعاً غير مريح، ولا سيما أن الملوك الأردنيين كانوا قد اعتادوا العلاقات القريبة والوثيقة مع الولايات المتحدة.
يخشى الأردن وقف المساعدات في حال التطبيع الإسرائيلي – السعودي، علماً أن المساعدات الأساسية يتلقاها من الولايات المتحدة الأميركية، وتقدر بـ1.275 مليار دولار، إلا أنه ينتظر من إدارة بايدن إيلاء الاهتمام بمكانته عملياً، لكونه يضم العدد الأكبر من الفلسطينيين، ولا سيما بعد تأكيد الإدارة حل الدولتين في مقاربتها للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وتأكيد تقديرها للدور الأردني في عملية السلام والاستقرار الإقليمي.
الصّدام المباشر يمكن أن يشوّه النظام الملكي، لكن عُهد إلى الأمير حسن الذي يحظى باحترام كبير التعامل مع هذه النقاشات الحساسة، فهل تشير هذه المصالحة إلى نهاية المشكلة الحالية؟ على الرغم من أنه من غير المحتمل أن يكون الفصل الأخير من الصراع بين الأشقاء، إلا أن المواجهة النهائية ليست واردة.



