اراء

القيادة بالعطاء

بقلم: يسري الغول..

كلما قرأتُ مقالًا مطولًا حول القيادة، وكلما تصفحتُ كتبًا ترسم أبجديات القيادة الجادة، سألت نفسي: ما هو التعريف الأمثل للقيادة؟ إذ إننا مع كل عوامل التطور، خصوصًا مع عهد الذكاء الاصطناعي، نكتشف أن السلوك الإنساني يزداد تطورًا أيضًا حيث يضطر إلى إعادة صياغة المعاني والتعريفات، ارتباطًا بالمتغيرات والعوامل الحاصلة، فهل مفهوم القيادة مجرد نظرية جامدة، لا يمكن تحقيقها على الأرض؟ هل القيادة تختلف من مكان لآخر، تبعًا للثقافات والعادات والتقاليد؟ وهل هناك قوانين أو نُظم دينية تحدد لغة وسلوك القائد في أي زمان أو مكان؟

ثم حاولتُ الإجابة عن تلك الأسئلة من خلال تجربتي الشخصية في سويسرا، تحديدًا بعد وصولي من قطاع غزة المدمر، واستقبالي وعائلتي في مدينة مورج من طرف أشخاص غرباء، لا ينتمون إلى قوميتي أو لغتي أو حتى ديني. وهنا كان لا بد من قراءة معنى القيادة بشكل مغاير عن ثقافتي الشرقية التي حملتْ بكل أسف خواءً في ممارسة المعنى، حيث تظل كثير من النظريات داخل الكتب فقط، بينما لا تجد طريقًا على أرض الواقع.

وفي هذا المضمار، أخبرتني الامرأة البولندية صاحبة المنزل الذي عشنا فيه عدة أشهر من دون أي مقابل مادي، قبل أن نتركه لنعيش في مكان آخر، أنها وزوجها السويسري يفعلان كل شيء لأجل خدمة الآخرين، لأنهما يؤمنان بأن العطاء طريق لاحترام إنسانيتهما، وأنهما يؤمنان تمامًا بأن العطاء بوابة الحصول على الخير الوفير، وفقًا لاعتبارات دينية ونفسية، وهنا تصبح الإجابة المهمة للبشرية، أن الأديان جميعها تحضُّ على الخير والقيادة هي أن تكون ملهمًا لغيرك في صناعة الخير.

البولندية التي كانت تُطل علينا كل يوم لتعرف إن كنا بحاجة لأي شيء، رغم انشغالاتها بإدارة مؤسسة ضخمة، ولديها من الاجتماعات والأعمال الكثير، لكن جملتها التي قالتها لي ذات مرة، ولا يمكن نسيانها هي: “Give to Gain”، أي أعطِ لتجني الخير والسعادة، جعلتني أفهم كيف لبعض زملائي في العمل، أن يتحولوا إلى أدوات فاعلة في خدمة عائلتي التي لا يعرفونها، وتمامًا كما وجدته من الجيران الذين لا يعرفون عنا شيئاً سوى أننا قادمون من غزة، يقدمون الهدايا والمساعدات لنا لأجل بناء حياة جديدة.

ثم خلال فترة قصيرة، وجدت كل فرد هنا منهمكاً بعالمه الخاص، سعيًا نحو تحقيق الأهداف الفردية والجماعية، الرسمية وغير الرسمية، على صعيد الشخص نفسه ثم الأسرة وصولًا إلى النادي أو المدينة ثم الحزب أو التيار السياسي، وأخيرًا تحقيق معنى المواطنة داخل الدولة الحضرية، في هرمية البناء وليس كما في الهرم المقلوب أو الهرم البروخوفي الذي للأسف يسيطر على اللاوعي لدى ساسة المنطقة العربية.

وربما هذا ما جعلني أتوقف كثيرًا لأقارن بين نموذجي العربي والنموذج الغربي، رغم أنه ليس من الحكمة المقارنة بين هذين النموذجين المختلفين في معظم التفاصيل، لكن الأكثر لفتًا للأنظار، هو القيادة بالعطاء المنغمسة بالصمت، إذ ليس هناك حاجة للكلام من أجل القيادة أو التأثير، بل العمل الدؤوب الهادئ، غير المتكلف والمرن، لأجل تحقيق الهدف، الذي يبدأ من الأسرة وصولًا إلى تقديم الأمة بشكل حضاري متطور.

وقد تذكرتُ إبَّانَ أعياد المسلمين في غزة، كيف كان جدي غير المتعلم قائدًا حقيقيًا، استطاع أن يزرع له جنودًا في كل بيت، يؤمنون بأفكاره ويدينون له بكل الحب، حيث كان يحمل في جيبه كيسًا يمتلئ بالنقود المعدنية، إذ ما أن يدخل أي بيت حتى يصطف الأطفال ليأخذوا منه العيدية (مبلغ مالي زهيد)، حتى صار جدي يمثل لهم المعنى الحقيقي للعيد، وحين مات خرج في جنازته كل الذين عرفوه رغم القصف والدمار.

تخيلْ عزيزي القارئ أنك قادر على منح الآخرين فرصة إنشاء مكتبة أو بناء مدرسة أو المساهمة في توفير مستلزمات مشفى أو عيادة طبية، وتخيل أنه بإمكانك فعل أكثر من ذلك، كالمساهمة في حماية النازحين من الهلاك أو توفير الطعام لهم في أي مكان يشهد صراعات مريرة في هذا العالم، من دون أن تنتظر الكاميرا كي ترصد سلوكك وتقدمك كمبادر وصانع خير.

هذا هو المعنى الحقيقي للقيادة، وهو التعريف الأمثل لها، وهذا ما يمثل أكثر التحديات للعقل الجمعي العربي، الذي اعتاد صناعة الـ”شو” الإعلامي حتى في أدق التفاصيل حول الدعم والخدمات. لذلك، فإن لبنان وفلسطين وميانمار وبعض بلدان إفريقيا ينتظرون القيادة الفاعلة، التي تؤمن أن المعنى الإنساني للقيادة واحد، هو القيادة بالإبداع وكذلك القيادة بالعطاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى