الفأر التركيّ بين “مخلب النسر” و”مخلب النمر”

بقلم/أكرم بزي…
عندما تشاهد أركان الدبلوماسية التركية يجولون في العالم عامة، وفي منطقة المتوسط خاصَّة، يخال إليك أنَّ الإمبراطورية التركية عادت من جديد، وامتدَّت مناطق نفوذها إلى ما وراء البحار، وحلم الوطن الأزرق بات أكثر من حقيقة، فالرئيس التركي رجب طيب إردوغان، يمتهن مهنة القفز فوق الحبال أكثر من امتهانه مهنة السياسي، وقد يكون البهلوان السياسي أقرب إلى شخصيته من أي لقب آخر، فهذا الرجل المتأرجح بين موسكو وواشنطن، وتل أبيب ومصر وإيران، يضع يده على أراضٍ سورية، ومن ثم يوقّع اتفاقيات مع ليبيا، ويفتعل الحروب للسيطرة على ممر آمن من تركيا إلى أذربيجان، وتارة يصالح الكيان الصهيوني، وتارة أخرى يغازل الجار الإيراني.
وها هو بعد القطيعة مع مصر والسعودية، عاود الغزل الدبلوماسي معهما، ومن أوسع الأبواب، و”ليس مستبعداً أن يصدر تقريراً ما يحوّل مقتل الخاشقجي من تقطيعه بالمنشار داخل القنصلية السعودية في إسطنبول إلى غرق في البحر خلال ممارسته هواية صيد السمك”!. كلّ هذا يجول في رأس إردوغان، وخصوصاً بعد عملية الانقلاب التي كادت تطيح به، والتي قيل إن المخابرات الروسية سعت إلى إنقاذه منها، وأعلمته بمخطط الإطاحة به.
من منا لا يذكر صورة إردوغان وهو ينادي أنصاره لإنقاذه من خلال تطبيق “الفايس تايم” على جهاز “آي فون”، والذي دفع البعض إلى القول إن هذا التطبيق هو الذي أنقذه! وقد أدت محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في العام 2016 إلى إحداث تحولٍ في الحكم في البلاد، ليصبح إردوغان بعدها حاكماً مطلقاً، ولكن بعد عامين ونصف العام، بدأت تنجلي الأدلة الداعمة لما شكّك به الاتحاد الأوروبي في بداية الأمر، وهو أنّ الرئيس التركي كان على علمٍ بما سيحدث، ولكنه ترك الأمر يمضي كذريعةٍ له لوضع أسس نظام حكم الرجل الواحد، وفق معلومات نشرها موقع “EUobserver“.
في السنوات القليلة الأخيرة، طوّرت تركيا استراتيجيّتها نحو مفهوم قريب إلى الحرب الاستباقية أو “ضرب الإرهاب في أوكاره قبل أن يأتينا”. وقد نفّذت في أيار/مايو 2019 عملية “المخلب”، ثم أتبعتها بـ”المخلب 2” و”المخلب 3″، ثم “مخلب النسر” و”مخلب النمر”، وصولاً إلى عملية “مخلب النسر 2”. تهدف هذه الاستراتيجية إلى تقويض قدرات العمال الكردستاني، وهي عمليات متدرّجة تبني كلّ واحدة منها على سابقتها بالنسبة إلى الأهداف.
وبحجة محاربة الإرهاب (الذريعة الأكثر شيوعاً في العصر الحالي)، تحاول تركيا، وعبر محاولات حثيثة، وضع يدها على منطقة شمالي العراق، إذ تحتفظ بأكثر من 10 قواعد مؤقتة موجودة بالفعل في تلك المنطقة، فيما تسعى إلى إقامة المزيد منها بمبرر حربها على المقاتلين الكرد.
وعبّر نواب في البرلمان العراقي عن قلقهم من هذه التحركات العسكرية التركية التي قد تقود إلى وجود دائم بذريعة محاربة الإرهاب. وجددت تصريحات إردوغان الأخيرة المخاوف من محاولات تركية للتمدد بذريعة ملاحقة المتمردين الكرد. وقال النائب عن محافظة نينوى محمد الشبكي، إن هناك مخططاً تركياً كان يستهدف منطقة سنجار في المحافظة، لكنّه فشل، والتوغلات العسكرية التركية ليست سوى أحد الملفات التي تثير غضب العراقيين، فهناك أيضاً مسألة السدود التي تشيدها أنقرة على نهري دجلة والفرات، وهو ما أدى عملياً إلى جفاف الكثير من الأراضي العراقية وفقدان المزارعين لأراضيهم.
لقد امتهن إردوغان سياسة “دقّ المسامير” (من مسمار جحا) في مجموعة من المناطق الحسّاسة في المحيط التركي، و”شبّك” علاقات الأتراك مع مجموعة من الدول التي تحيطها مجموعة من المتناقضات، وهو يحاول من خلالها القفز على تناقضاتها واستعمال “مساميره” في اللحظة المناسبة.
لذا، تراه يستغلّ كلّ حدث وكل شاردة وواردة للتدخل فيها لمصلحة الدبلوماسية التركية، ووفق مقولة دأب على ترويجها الإعلام التركي، تقوم على فكرة التوسّع خارج حدود تركيا وتوسيع رقعة نفوذها في المنطقة المحيطة بها وتلك الأبعد من محيطها، ما يعتبر، وفق مفهوم إردوغان، أكثر ضماناً لصون الداخل والحفاظ على الحدود التركية من دون المساس بها في ما لو تطوّرت الأمور في المستقبل، خوفاً من التحالفات الأميركية الأوروبية التي تؤدي في ما تؤدي إليه إلى “تقسيم الدولة التركية وتفتيتها”، وهو ما يؤرق المنظّرين الفاعلين في المطبخ السياسي التركي منذ أكثر من 3 عقود.
ويروّج الإعلام التركي لمقولة مفادها أنّ “التوسع التركي في جوار تركيا العربي يهدف إلى منع تعرضها للتقسيم، فتركيا حين تكون كبيرة يصعب على الغرب تقسيمها… لندعها تتوسع وترجع إمبراطورية عثمانية كما كان حالها. وإذا هاجمها الغرب، فستعطيهم جزءاً من بلد عربي هنا، وجزءاً من بلد عربي هناك تحت وصايتها، كما حصل بعد الحرب العالمية الأولى، وستتخلّى عن الشام والعراق لبريطانيا، وعن بعض بلدان المغرب لفرنسا… وبهذا تضمن عدم الوصول إلى الحدود التركية”.
يستعيد إردوغان الآن علاقاته مع السعودية، بعدما استغل حادثة مقتل خاشقجي إلى أبعد حدود، فخروج قيادات الإصلاح من السعودية والتوجه إلى تركيا بعد تصنيف جماعة الإخوان حركة إرهابية لدى المملكة العربية السعودية، لم يأتِ من قبيل الصدفة، بل هناك حوارات وتواصل عبر قنوات سرية لإيجاد الحلول وإعادة الأوضاع إلى سابق عهدها، وذلك للضرورة التي أوجدتها نتائج الانتخابات الأميركية ومجيء جو بايدن الذي قلب العديد من المسارات، فجعل عاليها سافلها والعكس.
ولا أستبعد أن هذا التقارب بين تركيا ومصر والسعودية ودول الخليج من جهة، وبينها وبين الكيان الصهيوني من جهة أخرى، يجعل تركيا الحلقة الأقوى مقابل المحور الإيراني. وقد يقوم الأتراك بأداء دور “بيضة القبان” في التوازنات في منطقة الشرق الأوسط و”قطب الرحى” في مقابل السياسة الأميركية القادمة في زمن بايدن، فإذا ما تمَّت المفاوضات بين واشنطن وأوروبا من جهة وإيران من جهة ثانية، وأعيد إحياء اتفاق الملف النووي الإيراني، ستقف في الجانب الآخر مجموعة من الرافضين المتربّصين، وعلى رأسهم السعودية والكيان الصهيوني ودول الخليج، تتوسّطهم تركيا، والتي حبكت خيوط علاقاتها مع كل الأطراف، بمن فيهم الإيرانيون والروس، وسيكون دورها أساسياً في اللعب على التوازنات بين كلّ الأطراف.



