اراء

“الهوية مركبة أم بسيطة”

بقلم /  ماجد الشويلي….
قبل أن نخوض غمار البحث حول تحديد ماهية الهوية وبيان حقيقتها ، لأبد لنا وعلى نحو الإلزام أن نتعرض لتعريف الهوية الأكثر شيوعاً ، والأيسر فهما لعموم المتلقين على اختلاف مشاربهم ومآربهم.

أولاً:-ماهي الهوية ؟

الهوية في اللّغة تُعرَّف بأنّها مُصطلحٌ مُشتقٌّ من الضّمير هو؛ ومعناها صفات الإنسان وحقيقته، وأيضاً تُستخدمُ للإشارةِ إلى المَعالم والخصائص التي تتميّزُ بها الشخصيّة الفرديّة.
ولصعوبة الوقوف على تعريف جامع مانع للهوية على مستوى الاصطلاح ، سأحاول الاكتفاء بالتعريف الفلسفي للهوية، بلحاظ مايتميز به من شمولية أكثر من غيره من التعاريف الأخرى .
فالهوية في المصطلح الفلسفي هي ؛((حقيقة الشيء المطلقة، والتي تشتمل على صفاته الجوهريّة التي تميّزه عن غيره. كما أنها خاصيّة مطابقة الشيء لنفسه أو مثيله))
إذن هذا هو المفهوم والتصور الذي ينصرف إليه ذهن الإنسان عند سماعه أو قراءته لمفهوم الهوية .

ثانياً:-ممن تتكون الهوية ؟

رغم أننا يجدر بنا التفريق بين العناصر التي تسهم في بلورة الهوية ، والعناصر التي تتكون منها بالفعل.
إلا أننا نجد أنفسنا مرغمين أحياناً على وضع تلك الفواعل في بوتقة واحدة دون تمييز ، واعتبارها المفردات التي تتكون منها الهوية .
لكن هذا لايمنع من تصنيف تلك العناصر على أساس بعدين رئيسيين .
هما العناصر (القسرية) والعناصر (الإرادية) .
ولو عدنا للكشف عن المكونات التي تقوم عليها الهوية لوجدنا أنها.
اللغة ، التأريخ ، الحضارة ، الثقافة ، الدين.
إن هذه المفردات هي التي تشكل الدعامة الأساسية لبناء الهوية وبلورتها .
وهي ليست هويات فرعية كما يظن البعض بل هي سمات وخصائص ومبرزات تفرزها تفاعلات الهوية في محيطها الخاص والعام .
وهي كما أسلفنا على نحوين: النحو القسري الذي يجد الإنسان أو المجتمع نفسه محاطاً به ومرغماً عليه وغير قادر على الانفكاك منه أو التحلل عنه
كالتأريخ الذي لايمكن القفز عليه أو تجاهله
أما اللغة فبقياس المنطق يمكن التحول عنها رغم أن الأمر من الناحية العملية صعب مستصعب .
أما بالنسبة للحضارة في جوهرها على حد تعبير الإمام الخامنئي حفظه الله فهي تتمثل ب (( إبراز سمة التعايش الإسلامي )) أو ((الحياة الطيبة))
مستقياً ذلك من النص القرآني ((مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) (97) النحل

وتبقى القومية التي يصر الكثير من الباحثين على جعلها هوية مستقلة أو على الأقل ركيزة من ركائز الهوية فلا أظن أنها سوى وعاء قابل لاستيعاب الآيديولوجيات المتنوعة وتقبل خصائص التوجهات العقائدية المختلفة.

ثالثاً:-تأثيرات مفردات الهوية

من الواضح أن تأثيرات العناصر المكونة للهوية تختلف بتأثيراتها وتتباين بأهمياتها والدور الذي تلعبه في صيرورة الهوية وتشكيلتها النهائية .
لكن يبقى التأثير الفكري والمعنوي هو سيد الموقف في صناعة الهوية وتحديد معالمها .
فاللغة على سبيل الفرض ما هي إلا قوالب لفظية لإخراج منظومة الأفكار لحيزها الواقعي فهي بحد ذاتها ليست أفكاراً ولا معتقدا يؤثر في سلوك الإنسان والمجتمع ومواقفهم المبدئية.
وكذا الحال بالنسبة للتأريخ فهو ليس بفاعل بحد ذاته وإنما رجع صدًى لوقائع وأحداث تهتف بالأمم لأخذ العظة والعبرة منها لتقويم مسيرتها وتعزيز مكانتها وتلافي ما يلحق بها من ضرر .
أما الثقافة وهي العنصر المعنوي الأهم والأبرز في تكوين الهوية فتعرف بأنها

((الكُلّ المُركب من مجموعة الفكر، والأدب، والعادات، والفنّ، والأخلاق، والسلوك، وغيرها، من خلال تفاعل الإنسان في بيئته ومُحيطه، مُؤثراً ومُتأثراً فيها، صانعاً لها ومُنصهراً بداخلها في نفس الوقت)).

والملاحظ هنا أن الثقافة مُخْرَجٌ ومنتِجٌ في آن واحد لماهية الهوية .
فهي التي تحدد وتميز معالم الهوية وتفصلها عن هويات الأمم الأخرى وهي حصيلة نتاجات الأمة الفلسفية والمعرفية.
ولذا كان الارتكاز إليها في توصيف وتعريف الهوية هو الطريق الأقرب للصواب .
صحيح أن الثقافة تشمل الأدب والفنون والمعرفة والعمران إلا أنه ليس من الصحيح إقحام العادات والأعراف والتقاليد لتكون جزءًا من الثقافة، فالثقافة كما أسلفنا نتاج معرفي رصين يمثل عصارة التجارب والمخاضات الفكرية التي تعتلج بها أذهان الأمة . أما العادات والتقاليد فليس بالضرورة أن تكون ناجمة عن وعي وتمحيص وتدبر .
وهي عُرضة للتبدل والأفول والتغير .
وتبدلها أو تحولها لايترك ذلك الأثر الذي يتركه تغير المعرفة والفنون والأدب .
ولذا فهي تقع على هوامش الفكر والمعرفة ولاتعبر عنهما بحال ولطالما تناقضت وتقاطعت عادات الشعوب وتقاليدها مع عقائدها ومتبنياتها الفكرية الرصينة.

رابعاً:- باعتقادي أن القائلين بتعدد الهويات هم أقرب للقائلين بالتثليث من النصارى الذين عبروا عن التثليث (بالإقنوم)
فكما أن التثليث باطل عقلاً
لأنه يستدعي ضم ثلاث ذوات مستقلة متباينة وجعلها ذاتا واحدة ، فالقول بتعدد الهويات للفرد الواحد والمجتمع كذلك لايبتعد كثيراً عن التناقض الحاصل في (الإقنوم)
إن الهوية الحقيقية هي الهوية الدينية لعدة اعتبارات
أ- أن الدين يشتمل على كل حاجات الفرد والمجتمع
ب- الدين يشتمل على الأخلاقيات والآداب ولايقتصر على الأحكام الشرعية فحسب
وهي متناسقة مع الأحكام الشرعية وتجري مجراها في نيل الثواب والعقاب.
ولعل من مقاصدها أن يكون المجتمع الإسلامي العام ذا آداب وتقاليد وعادات واحدة .
ج- الدين يهب الثقافة بمعناها الفكري والفلسفي ويوجهها بالمسارات الناجعة الصحيحة
د- الدين يمثل أعمق النزعات البشرية وأكثرها ملازمة للإنسان

الأمر الآخر ؛ هو أننا لو اعتبرنا أن للإنسان هوية وطنية ، وهوية قومية ، وهوية ثقافية
لوجب أن يعيش ذلك الإنسان مخاضات عسيرة من التناقضات الذاتية ولعل هذا ما يحصل بالفعل في المجتمعات التي ابتعدت عن الدين وألحقت بذاتها هويات فرعية أخرى جعلتها موازية للدين.
إن مجتمعات أفراد كهذه يعيشون في أتون تجاذبات تحرق نتاجاتهم الفكرية والعمرانية وتجعلهم يدورون في حلقة مفرغة من الغيبوبة الفكرية وضياع الذات.

قال تعالى؛

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (29) الزمر

ولذلك وجدنا القرآن قد حدد الهوية لأبناء الأمة الإسلامية على لسان أبي الأنبياء أبراهيم عليه السلام ؛

((هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ )) 78 الحج

إذن هذه هي الهوية الحقيقية وما سواها خصائص وميزات مجتمعية تساهم فيها البيئة والتأريخ واللغة وغيرها.
ولاترقى لأن تكون هويات نضعها في موازاة الهوية الحقيقية (الدين) فالهوية هي الدين لأن الدين هو الهوية التي تعبر تعبيرا دقيقاً عن ذات الإنسان في بعده الفردي والاجتماعي.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى