عملية التغيير المطلوب في ظل الوضع الراهن بالعراق
صفاء الوائلي
لقد مر العراق خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية بظروف استثنائية وواجه تحديات سياسية وامنية واقتصادية خطيرة وجاءت كل تلك التحديات والمشاكل نتيجة لمسببات اجتمعت فيها عوامل داخلية واخرى خارجية وكان الشعب ينتظر بفارغ الصبر نتائج العملية الديمقراطية ونتاجاتها التي أتت من خيارات الشعب نفسه… وبرغم ان الديمقراطية ونتائجها في العراق لم تكن نتائج تعكس جوهر وحقيقة العمل الديمقراطي كممارسة صحيحة لأنها استندت على اسس عشائرية احياناً وعلى اساس الولاءات الحزبية والمذهبية احياناً اخرى مما انتج وولد جيلاً سياسياً غير كفوء وغير واعٍ وغير مؤهل لقيادة العملية السياسية في العراق.. الا انها ايضاً تجربة كشفت النقاب عن الخطأ الشعبي الفادح في الانجرار خلف الانتماءات الاخرى غير الانتماء الوطني لان تلك النتائج يتحملها الشعب نفسه نتيجة اختياره المبني على تلك الاسس التي تغاضت عن الكفاءة في احياناً كثيرة وسارت خلف العاطفة أو المؤثرات الاخرى التي قادت الى تولي الأغلبية ممن استغلوا تلك العواطف مسؤولية لا واعية وغير كفوءة في ادارة شؤون البلاد مع انحسار النخبة في دائرة ضيقة وغير مؤثرة في الوضع السياسي ولا تملك بدا أو تأثيراً يمكن ان يتبنى أو يطبق اي تغيير مطلوب على مستوى ادارة الدولة سواء تنفيذياً او تشريعياً بل وحتى قضائياً… فاصبح الكل منقادين دون ارادة للمضي مع التيار وباتجاه مستلزمات التوافقية السياسية المبنية على مصالح لا وطنية ضيقة وغير هادفة لأي تغيير حقيقي يخدم مستقبل الوطن والشعب مستغلين الوضع الراهن متحججين بمختلف الحجج الواهية… وبرغم ان فترة اثنتي عشرة سنة هي فترة غير قليلة لكي يعي هذا الشعب ويقيم الاداء الحكومي العام لمن اختارهم وان يتبنى سلطته الرقابية التي هي سلطة الشعب الذي اوصلهم للكراسي الا ان الشعب وللأسف كان ينتظر التغيير المنشود مع كل دورة انتخابية ولا يجد نفسه الا سائراً على نفس النهج المكرر… لم يعي الشعب ان ممثليه الذين اختارهم في السلطة التشريعية التي من المفروض ان تكون سلطة رقابية اصبحت هي المشكلة الأساسية سياسياً وامنياً واقتصادياً واصبحت هي نفسها بحاجة الى سلطة اقوى تقومها وتقيمها… ان عملية ممارسة الدور الرقابي التقييمي من قبل الشعب يجب ان لا ينتظر دورة انتخابية وسنوات اضافية فالممارسة الديمقراطية لا ترتبط بتاريخ او بمدة محددة لان ذلك سيستنزف الوقت ويهدره بشكل خطر مما يزيد من تراكمية المشكلة وتداعياتها المتسعة التي كلما مضى يوم اصبحت عبئاً كبيراً لا يمكن التخلص منه بسهولة… لقد ادرك المُنْتَخَبون كما أُسميهم وهم ليس بالضرورة ان يكونوا ممثلين حقيقيين للشعب بمجرد انتخابهم حسب المفهوم العملي ووعوا هذا الخلل الكبير في غياب الرقابة والسلطة الشعبية او كونها كامنة تنتظر التغيير فبدأوا يتغلغلون في عمق المؤسسة الحكومية ويكونون أسسا قوية يصعب اقتلاعها مما ولد جيلاً من الموالين لهم ونفوذاً كبيراً داخل مؤسسات الدولة في السلطة التنفيذية واخذوا يكونون قواعد انتخابية وليس قواعد شعبية تضمن لهم الوصول الى اماكنهم نفسها أو الاحتفاظ بها من خلال الانتخابات وفي هكذا حالات فقد بلغ السيل الزبى ولا حل للمشكلة الحالية الا باتباع وتبني احدى الطرق التالية: اولا انتخاب النخبة المؤهلة الواعية النزيهة وهذا الخيار سيكون صعبا لوجود قواعد انتخابية للمتمسكين بالسلطة والمناصب بالإضافة الى اهدار الوقت في انتظار الانتخابات ووجود مخاطر كثيرة منها ارتباط الكثير من الُمنْتَخَبين السابقين بأجندات خارجية لن تترك فرصة للتغيير ولو استعملت وسائل غير مشروعة. اما الخيار الثاني فهو تفعيل السلطة الشعبية الرقابية والتشريعية سلطة الشعب التي لا ترتبط بوقت ولا تجامل ولا تتوافق مع احد أو تعقد صفقات تلك السلطة التي تقرر وتغير وعليه انا ارى ان للشعب كلمة مدوية هذه الكلمة لا تقتصر فقط على الخروج للشارع والتجمع والهتافات بل وجود منهجية تمتلك عوامل وعناصر التغيير والتأثير وليس فقط الضغط المؤقت بل تمتلك زمام المبادرة لان الإرادة الشعبية هي مؤسسة ديمقراطية تقرر وتنفذ… تغير وتؤثر تأثيرا ممتدا الى ما خلف اي حدود او قيود سياسية كانت او اي قيود قد تحاول احتواء المد الشعبي او الحشد الشعبي المدني الذي سيقول كلمته المدوية… على ابناء الشعب الحي ان يعي حجم المسؤولية الجماعية التي تستمد قوتها من كون افرادها فاعلين وعلى هذه المؤسسة الشعبية المدنية ان تتبنى المنهج وتوفر وتوظف العوامل والعناصر كافة ومتطلبات التنظيم العالي والتنسيق والاتصال والتعاون والاستقامة والتشخيص لكل ما من شأنه ان يؤثر على حيادية واستقلال المؤسسة الشعبية ووجودها الشرعي وشخصيتها القانونية والمعنوية المكتسبة طبيعيا من صفتها الشعبية بكونها السلطة التي تقرر وتنفذ وتغير… العراق قادم بحشدين… حشدان سينتصران ..سيدمران العروش الخاوية ووهم اولئك الذين بغيهم يعمهون..ان عملية تصحيح الوضع الديمقراطي في العراق يجب ان لا تعتمد خيار الانتخابات ونتائجها بل يجب ان تصحح المسيرة السياسية والإدارية للبلد وتكوين قاعدة صحيحة لوضع ديمقراطي صحيح ان تطلب الامر بعدها فقط ستكون الممارسة الديمقراطية الانتخابية على طريقها الصحيح الذي لن يحتاج الشعب ان يمارس سلطته بل يمارس حقه الديمقراطي في الانتخاب الذي سيكون هو الاساس في عملية التغيير المطلوب فيما لو حصل خلل في المنظومة السياسية للدولة واداراتها وسلطاتها… سلطة الشعب وارادته هي من يشرع ومن ينفذ ومن يقاضي فهي سلطة شاملة وواسعة… وهنا يجب ان نحذر من ان المجاميع السياسية صاحبة السلطة الحالية ستحاول بشتى الطرق اجهاض محاولات الإرادة الشعبية بشتى الوسائل ومحاولة افشال ممارسة الحق الشعبي لإرادته من خلال الصاق صفات وعكس اي خلل امني او اقتصادي او سياسي بالإرادة الشعبية ومحاولة الضغط عليها وثنيها عن مسيرتها وهنا لابد من تحصين الإرادة الشعبية من خلال تعاونها مع اي مؤسسة سياسية وطنية او عسكرية او اجتماعية واستمداد القوة منها وتهيئة الاجواء وسد الثغرات ومنع المسيرة الشعبية من الحيود عن الهدف او الحاق الضرر بالمصلحة الوطنية او تحولها الى مسبب اضافي للمشاكل الحالية للبلد امنيا وسياسيا.



