المخيلة الشعرية و الموروث الشعري

سفيان حكوم
الناحية التي تدل على اعتلال المخيلة الشعرية ، هي أن هذه المخيلة انقطعت فنيا وثقافيا عن زمنها ، بارتدادها الى شعرية ، هي في الأصل نتاج مخيلة سابقة في زمن ماض ، وفي الواقع . ليس يعيب الشاعر أن يعود الى الموروث ليصوغ من وجهة نظره خطابا شعريا ، يعي بالضرورة لحظته التاريخية ، ويكون على قدر اتصاله وتفاعله مع سياقه الثقافي ، منفتحا على آداب ومعارف عصره ، بل هذا هو المفترض ، غير أن الاعتلال يأتي من جهة انقطاع الشاعر. الى ارث مخيلة توقفت عن الحركة من جراء انقطاعها عن مساق ” الضغوط الثقافية ” . بحسب تعبير تزفيتان تودوروف ، التي تتغير مع العصور ، ويصح القول بأن كل ما كان من المتعارف عليه في الشعرية القديمة من نعوت ، ومسميات ، وموضوعات ، يتجلى حضوره بشكل كبير في قصائد كثير من شعراء اليوم ، بل أضيف أن احدى خاصيات الشعر القديم ، وهي كونه كان شفاهيا سماعيا ، لا تزال على حالها في بنية القصيدة الحالية ، وكل أغراض هذه الخاصية موجودة ومستخدمة على نحو واسع ، ولأن العملية الشعرية عند هؤلاء الشعراء المتلقين في الأصل ، لم تتأسس على بنية معرفية تشغلها مسائل ” جمالية التلقي ” ، في نظريات القراءة الحديثة ، فإنها بالتالي أضعف من أن تكون لها القدرة على قياس ” الفرق الجمالي ” بتعبير روبر هولوب ، والتي هي باختصار قياس الفرق الذي يحدث بين عالم النص وعالم قراءته ، وذلك ، لأنها بعكوفها على قراءة نمط شعري تقليدي متماثل ، وكأنه هو وحده الشعر ، وما سواه مزيف وغير حقيقي ، انقطعت معرفيا وذوقيا عن الأدب الحديث والفنون المعاصرة ، وفقدت بالتالي القدرة الفنية النقدية على قياس الفرق الجمالي ، بين المكتوب وعالمه الذي تتصوره قراءته .
أن المرأة التي نراها في قصائد بعض الشعراء ، لا علاقة لها بالمرأة الراهنة ، بوصفها آنسانا ينتمي الى زمن حديث ومعقد ، ولا تمس حياة المرأة المعاصرة في تجلياتها المعرفية الراهنة ، فآمرأة القصيدة عند هؤلاء غانية ، لعوب ، مظهرية الشكل ، كائن ليلي …..، إنها امرأة تدل على ماذا ؟! ، في نظري وكما قلت في أحدى مقالاتي السابقة ، تدل على اعتلال المخيلة الشعرية التي أنتجتها من ناحيتين :
أ : الأولى يمكن أن نسميها الارتهان الى النموذج الساكن .
ب : والثانية فقدانها شرط الحياة الضرورية لأي شعر يريد أن يتمثل هموم عصره .



