ثقافية

“لبابة السر” حكاية عراقية من الواقع تفوح منها عطور الأساطير السومرية والبابلية

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…

يرى الشاعر والكاتب محمود خيون ان الروائي شوقي كريم حسن استطاع في روايته “لبابة السر”استعادة ذاكرة الحرب والدمار عبر مزج الواقع بالأسطورة فهي حكاية عراقية من الواقع تفوح منها عطور الأساطير السومرية والبابلية .

وقال خيون في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي):ان الذي يتمعن في (لبابة السر) للروائي والناقد شوقي كريم يرى إنه اتجه نحو الأسطورة ليجعل منها أداة للتعبير عن رموز تتحدث وتتحرك بكل حرية وجعل من تأريخ بابل القديم وعراقية سومر وأكد وأور وكيش ومن أساطيرها وحيا ومنهجا دافقا بالحيوية والنشاط لما يريد التعبير عنه.

 واضاف: ان الروائي يعبر عن واقع عاش فيه بأنواع العذابات ورأى بأم عينيه كيف يصلب الناس على ألواح من الحديد وليس كما صلب المسيح على لوح من الخشب…..فيتبادر الى ذهنه السؤال( هل حقا أن النفس التي تواجه الموت تسترجع كل أيامها؟؟!). …وتلك هي أقصى لحظات تمر على المرء أن هو أقترب من حافة الموت وارتسمت علامات النهاية في آخر الأفق…… وقبل ذلك كان شوقي يحاكي سيده الذي ما يزال يرن صوته في اذنيه( هكذا أنت دوما تعبت خطاك وعرفت مايمتلا به رأسك….كم تشبه أباك شوقيا…)…ثم يعاود ذلك النشيح الروحي الذي مافتيء يراوده ويشدد عليه حصاره الأبدي وكأنه يستعيد ذاكرة الحرب والدمار التي قضت على كل شيء جميل لديه وفرقت بينه وبين من يحب ليؤكد له بأنه كان يذكره بكل ماضية حدثت وظل اوارها قائما الى اللحظة الواردة في فكره ووجدانه الآن فيردف( كان ينادمني ما أن يجن الليل وتهدأ أوارات الموت ويبتعد شبح الحرب قليلا نسند ظهرينا الى جذع نخلة رطبة.  )….ثم يعيد عليه ذات السؤال المحير الذي لطالما شاغله ليال طويلة من ليالي الشتاء الباردة والداكنة( هل حقا إن النفس التي تواجه الموت تسترحع كل أيامها أو يريد الموت إعلان هزيمتي الآن..).

وتابع: وهنا يتبين عند القارىء والدارس والأكاديمي البارع أن ذاكرة الحرب والدمار مازالت قائمة بكل مفاصلها وحقبها الزمنية بل وحتى أماكنها عند حافات السواتر الامامية وأصوات القذائف وألسنة النيران وهدير الطائرات المعادية والصديقة أنها تعود بكل تفاصيلها الى حقبة زمنية من أيام الحرب اللعينة أستطاع الكاتب شوقي كريم ان يولفها على شكل أسطورة من أساطير بابل وملوكها وصعاليكها الذين هدروا كرامة الإنسان ومزقوا ذاته وبنو الحواجز الشائكة بينه وبين كبريائه فصار كالعبد المأجور يبني ويعمر حتى يتباهى الطغاة بجمالية ذلك البناء وأعدوه حضارة ستفخر بها الأجيال من بعدهم.

واكمل :وهنا يعيدنا الكاتب شوقي كريم إلى ذلك العصر الذهبي _ سيدي نبونيد _..لاتكثر من ايلام بابل.. لا ترم امالك فوق اكتافها المدمات…لآ أرى غير الصراخ والمواجع لا أرى غير زمن مفتول وفارس ترجل عنوة مضمخ بالبلوى…… ثم يواصل هذا النداء..   لاتكثر سيدي فلا لوم يفيد ولا بكاء…ولاأظن لبابل عودة بعد كبوتها هذه……كل ما يحيط بها شرور تتزايد….وتتزايد ونيران تشتعل وشتات.. ) …. ومن هنا تتضخ الرؤيا لدي كقاريء غير مهتم بما يكتب من ملاحم عما أصاب البلاد من ويلات …التكملة…..ودمار ان الكاتب كان يريد أن يلوذ بين بطون الأساطير وينغمر بتيارات التأريخ المتشعبة ليصف حالة الحرب واللاحرب التي خاض الناس غمارها رغم أنوفهم وخسروا الكثير الكثير…..وينكشف الامر أكثر عندما يعاود((شوقيا )) الحديث فيتساءل( لا ادري لم تذكرت الملك الامجد نبوخذ نصر.. لا أدري ماذا  تعني لي كلمة شتات كل شيء محمول على محامل الفوضى والانهزام…شوارع كانت يوما مزحزمة بالتمجيد فغدت فجأة تسبح بخطوات راكضة باحثة عن بوابة تأوي خوفها فقيات البيوت ساكنيها وغدت الخطوات سيرها باتجاه مدن عفنة لاتدري لأهل بابل السكن مع اناس لايدرون جذورهم….)…..ثم يأتي هنا عاصف جديد يتألق به الكاتب عندما يتساءل..( محنة سيدي أن تتكأ الى شجرة منخورة الجذع…).

وبين :من هنا نستطيع القول بأن شوقي كريم أصبح هو بمثابة الوريث الوحيد والشرعي لكل ما حصل من ويلات وحكايا عن العذابات والخلود للزمن البابلي ولجبروت نبوخذ نصر ولجميع ابطال الأساطير من ذلك الزمن المجيد الذي ظل خالدا بشخوصه وماتركوا لنا من مأس وويلات وانتصارات ربما تكون أشبه بالوهم أو ضروب من الخيال أو أنها كانت حكايات كتب لها التأريخ أن تكون هي الدليل الشاخص وعلى مر الدهور بين أعين القاصدين لامجاد عريقة غدت اليوم هياكل منخورة لاحياة فيها لأنها بنيت على الظلم والجور وسلطة الطغاة والالهة والمماليك وكلها تريد أن تمسخ صورة الإنسان التي صورها الله بأحلى أشكال الروعة والفن.

واستدرك :ولكن هذا الامر لم يكن له مذاق لمن يريد أن يكون متسلطا على رقاب الآدميين وكما وصفها الباحث الاستاذ جاسم الخالدي( أنها لبابة السر محاولة لمغادرة الواقع والغوص في الأزمان السحيقة إذ عاش الإنسان تحت الآلهة الجاهلية وكهنتها المشغوفين بالحياة الباذخة )…..وانا اقول أن هذا الامر لم يقف عند بوابات الكهوف الوثنية للالهة وكهنتها بل تعدى لأن تتلبس تلك التعاوييذ ملوك ذاك الزمان والأزمنة التي تلتها فعاد الظلم والجور وهتكت حرمة الناس بكل اصنافهم ودياناتهم….. وإني لاجزم بأن شوقي كريم كان منهكا حد الإعياء في وضع النهايات الأخيرة لهذه الملحمة الكبرى أو الأسطورة التي ليس من السهل الولوج في عوالمها الخفية والظاهرة ففي كل مرة أراه يعود ليسفح قلبه وروحه على الورق بالقول( وحيدين نبقى نطارد سموم الصباحات التي لا بد وأن تجيء ونحن ندور…وندور ولا منفذ للخلاص شوقيا ).

وختم :لابد لي أن احيي أخي وزميلي الروائي الكبير شوقي كريم على هذا المنجز الرائع الذي جاء بمستوى كبير من البناء الفني للرواية العراقية والعربية والعالمية ويعد من الأعمال الكبيرة التي تجمع وبتماسك كبير بين الأسطورة والواقع .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى