ثقافية

طالب حسن يهز الشجرة فتتساقط عليه الأحلام 

هيثم جبار

الرجل الذي هز الشجرة , وهو يبتسم لميتات يقترحها لنفسه , دموعه تركض خلف التوابيت ولا تعلم ان هذه التوابيت مملوءة بالفراغ , رجل لم تكسره الحرب بل كسرته الجثث المرمية على الطرقات , تحاصره الاحلام القتيلة , الاحلام التي ثقبتها الشظايا , احلام مقطعة الاطراف والرؤوس , احلام لن يصلها احد , توسدت التراب ونامت في الارض الحرام . هذه قمة الوقاحة والسفاهة ان تموت الاحلام سحقا بسرفة دبابة .

الرجل الذي اخذت الحروب الكثير من اصدقائه الذين ماتوا ولم يفهموا لماذا ؟؟؟ يستيقظ  في الصباح  يتحسس رأسه هل مازال جالسا بين كتفيه , حتى صار وجهه اشبه بدفتر مسودات , تستطيع ان تقرأ في وجهه جميع وقائح الحروب , دائما يحصي اعداد القتلى في الحرب وينسى نفسه .

رجل اكلت الحرب عمره وتساقطت سنواته في خطواته من بين اصابع اقدامه , يجلس على حافة الكلمات , يفكر بحياته المطعونة بآلاف الشظايا , والان بعد ما فات الاوان يسطر على رفوف الذاكرة ايامه المنتحبة . 

ايها الشاعر الطاعن في الحب . بعد خروجك من كل هذه الحروب , يتلقفك الغياب, غياب الحبيبة حروب لا تنتهي , الحبيبة التي يكتفي منها بنافذة ضوء حتى لو اغلقت الجنة ابوابها في وجهه .

هيمنت على قصائد طالب حسن ثلاثة بروق ( الحروب , الغياب , الاحلام ) شطر من الحرب التي تركت آثارها وندوبها في عمره , والحب الذي طعنه بالغياب, فلم يبق له غير الاحلام المسحوقة باعقاب البنادق , وها هو يفقد من يحب , وكرصاصة عمياء تخترق جثة الوقت وتستبد تحت خوذة جندي , يستبد الغياب بقلبه ويذيقه طعم الفقدان , ها هو الان بالكاد يتنفس , وكلما اراد ان يكتب قصيدة تذكر حلمه مازال متسكعا قرب بابها . عسى ولعل يوما تكون جدائل حبيبته سقفا لبيته, لكن غيابها ….والحروب التي جعلت من جثث الموتى حاجات جندي مطوق بالرصاص  من جميع الجهات .

في الخندق , في المكان المحصور,  لو اطلت الابرة برأسها قتلت , وجنبك جثث كثيرة فتكون الوسادة جثة , ومائدة الطعام جثة والسرير جثة وربما  كرسي الاستراحة جثة ايضا . ابعد كل هذا الذي رأى تطلبين منه ان يبتسم ؟؟؟؟؟؟؟

فهو يبحث في شقوق الليل عن بقايا نهار , وفي وجهه تجاعيد نهر ميت , قبل غيابك كانت لديه نافذتك المضيئة والتي كان يودعها ابتسامة باردة عند كل صباح , اما الان اصبحت حكايات مخبوءة في خزانة الذاكرة , لذا كل ما مرت عليه الاعياد لم تلق عليه السلام لانها لن تراه , فقد حجبت الخسارات حياته , حتى احلامه مصابة بالكساح بالكاد تستطيع النهوض كأنها انقاض احلام .

هذا هو طالب حسن سليل ( ذاك الذي رأى ) الذي جاء بعشبة الخلود من الاعالي , ولانه ذو نفس كبيرة لم يذقها حتى يطعم اهله واحبابه فـأكلتها الافاعي , فمثل ما اصاب جدك العتيق حزن عميق اصابك حزن الحب والحرب والغياب .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى