اراء

الفرق بين “الأدب سز السرسري” و”الهتلية”..!

قاسم العجرش…

اللافت أن أغلب الرؤساء الأمريكان خدموا لفترتين رئاسيتين، وغالبا ما تتم إعادة انتخاب الرئيس ليس لحسن أدائه في الفترة الأولى، بل لأن من صنعوا الرئيس، قد توفرت لديهم عناصر الثقة به، بأن ما بناه في الفترة الأولى يستحق أن يتمِّمه..
ولم يشذ ترامب عن هذه القاعدة، ففي الفترة الأولى كانت الاستراتيجية مترعة بالوعود والمعارك الكلامية، وفتح الجبهات مع أو ضد الاستراتيجية في الفترة الثانية سيكون التخلي عن تلك الوعود..!
في استراتيجيته الجديدة؛ كانت محاور ترامب هي ذاتها التي تبناها الرؤساء الذين سبقوه، لكن الفرق بينه وبينهم، أنه “أدب سز” و”سرسري”، فيما هم كانوا “هتلية”..!
ثوابت السياسة الأمريكية معروفة تماما، وهي تدور في مدار نظرية حقول المصالح، وحيثما لأمريكا مصلحة، فإن على الرؤساء الأمريكان حماية تلكم المصلحة، بمستوى أعلى من مقدارها، فيوفرون وسائل الحماية ويضعونها أمام المصالح بمسافة، حتى لا تتعرض المصالح لضربات مفاجئة..
لذلك فإنهم عندما يُلجأون إلى القتال لحماية مصلحة لهم، أو تهمهم في مكان ما، فإنهم لا يقاتلون خلف الهدف، ولا فوقه، بل أمامه بمسافة توفر لهم؛ إمكانية المناورة المحسوبة..تلك هي عقيدتهم الاستراتيجية السياسية والعسكرية والاقتصادية..
الاستراتيجية الأمريكية تتوفر على تفاصيل كثيرة ،لكن خطوطها العامة هي: أمن أمريكا ومواطنيها وحلفائها وشركائها..اقتصاد أمريكي قوي ينمو ويعتمد على التطور النوعي، في مجال اقتصادي عولمي مفتوح، وإرغام الحلفاء والخصوم على احترام المصالح الأمريكية العامة، في أمريكا ذاتها وحول العالم، واستمرار بناء النظام العالمي القطبي، وتطويره بقيادة أمريكا بشراكة قوية، مع أوروبا وإسرائيل واليابان وكوريا الجنوبية لمواجهة التحديات.
في الاستراتيجية التي اعتمدها ترامب، لم يعد ثمة وجود لمفهوم الحرب الاستباقية، الذي روج له بريجينسكي وتبناه بوش الأب والابن؛ إذ إن وضع أمريكا وحلفائها؛ لم يعد يتحمل حروبا مباشرة، نعم يمكن للرئيس اللجوء إلى حروب النيابة واستغلال أي أداة ممكنة..وفي هذا الصدد ليس ثمة قيم وأخلاق على الإطلاق!
في العراق قاتل ترامب العراقيين الرافضين لوجوده، بعراقيين صنعهم وأنفق عليهم بسخاء، ليكونوا متناغمين مع أطروحته، فكان تشرين بكل قيحه وآثامه المثال!
إقليميا فإن أعداء الأمس يمكن أن يكونوا حلفاء اليوم، وحلفاء الأمس إذا لم يعد بإمكانهم تلبية متطلبات التحالف، فإلى حيث وبئس المصير، والسعودية ومن معها إلى قير…!
والذي يحصل اليوم في الساحة الإقليمية التي تحيطنا، ترجمة نصية لهذه الاستراتيجية.. “القاعدة”صنعتها أمريكا لقتال السوفييت الروس في أفغانستان، ثم حاربتها بعد خروج الروس، أمريكا هي التي “سمحت” بتشكل نشاط للقاعدة في العراق، لوأد تشكل أي شكل من أشكال التعاضد أو التحالف؛ بين الوضع الجديد في العراق وجمهورية إيران الإسلامية، وحينما مات تنظيم القاعدة في العراق والمنطقة، سارع الأمريكان لإنتاج داعش..
في هذا السياق؛ فإن ما يحدث في العراق؛ منذ أن أجهض العراقيون الحلم الداعشي في نهاية عام 2017؛ ليس ببعيد عن هذا النهج، إن لم يكن في صلبه..فالخوف قائم لدى حلفاء أمريكا، من تشكل قوة إقليمية كبرى، من عراق الحشد الشعبي وإيران وسوريا والمقاومة اللبنانية، ولذلك لن يسمح الأمريكي بزوال داعش، ما لم يستكمل بناء ما أفرزته عورة تشرين من واقع جديد، جعل الأمريكي يتصرف وكأن زمام الأمور باتت كاملة بيده..
إذا فهمنا الأمور على وفق هذا التصور الواقعي، سنستطيع أن نقرر أين نضع أقدامنا، في غابة المصالح الأمريكية التي أُرغمنا على الدخول فيها قسرا في 9\4\2003..يتعين على قادة الشيعة أن يقرروا بحصافة ما هي مصالحنا، مثلما يبحث الكُرد والسنة عن مصالحهم، ومصالحنا بالتأكيد ليست مع أمريكا وأدواتها وحلفائها، ليس لاختلاف العقائد وحسب، بل لأننا لسنا وإياهم من سنخ واحد…!
كلام قبل السلام: من أَمِنَ الزمان خانه، واحذروا من لا يُرجى خيرُهُ ولا يُؤمَنُ شَرُّهُ..!
سلام..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى