تشرين؛ اقتداء كفيف بكفيف..!

قاسم العجرش …
أربعون ملف فساد أحالها السيد عادل عبد المهدي، إلى مجلس مكافحة الفساد، وإلى هيئة النزاهة، قبل أن يستقيل مطيعا لمن طالبه بالاستقالة، برسالته التي قدمها إلى مجلس النواب، وقال فيها استجابة لخطبة المرجعية الدينية وبالنظر للظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، ولتوفير شروط أفضل لتهدئة الأوضاع، ولفتح المجال أمام مجلس النواب الموقر لدراسة خيارات جديدة، أرجو من مجلسكم الموقر قبول استقالتي من رئاسة مجلس الوزراء والتي تعني بالتالي استقالة الحكومة بمجملها”.
استقال عبد المهدي، فلا الأوضاع هدأت، ولا مجلس النواب وجد خيارات جديدة مقبولة شعبيا، ولم يحدث تقدم مهم في ملف مكافحة الفساد، ولا الذي “أمر” عبد المهدي بالاستقالة استطاع أن يترجم رؤيته لمستقبل العراق بشكل عملي..
تعليق الواقع الراهن بكل إسقاطاته؛ على مشجب المشكل الاقتصادي وعلى الأزمة المالية الناجمة عن الركود الاقتصادي الذي أصاب العالم كله، بما تبع ذلك من انهيار لأسعار النفط، كان الوسيلة الوحيدة لحكومة ما بعد عبد المهدي، لتبرير الوقوف في نقطة الصفر..
عمليا لم يحدث تغيير إيجابي ملموس، نعم تغيرت وجوه كثيرة، لكنها وجوه سيئة وربما أكثر منها سوءا حلت محلها، نسمع عن “نوايا طيبة” لدى الحكومة، لكن هذه النوايا؛ لم تبتعد كثيرا عن كونها تثقيفا إعلاميا، لعبور المرحلة، أو للتأسيس لوضع تشارك به الحكومة كحزب أو تيار سياسي في الانتخابات المبكرة القادمة، التي ماتزال في ظهر الغيب، فاحتمال عدم إقامتها وارد جدا، خصوصا أن التشرينيين عازمون، على نسف العملية السياسية؛ بل الدولة برمتها، والعراق اليوم على كف عفريت، وخطأ صغير يمكن أن يجر البلد إلى حرب أهلية لا تُبقي ولا تذر..
قصتنا مع المستقبل أشبه بمن يطارد قطارا بدراجة هوائية، فالدولة ضعيفة جدا، ضعيفة بحكومتها وبرلمانها وأجهزتها الأمنية، وبقضائها المنخور بكل المساوىء، فمن يطمح لأن يرأَبَ ما خلفته سبعة وخمسون عاما، أربعون حولاً منها تحت حكم الطغيان البعثي، الذي يحاول اليوم أن يطل بقرنه من جديد عبر بوابة تشرين، لا يمكنه أن يكون بهذا الضعف والخنوع،
الترويج بأن الفساد قلعة حصينة، لعبة إعلامية تخدم الفساد وتقويه، فالضرب على يد الفاسدين وهم موجودون عراة من أية فضيلة تقيهم، أسهل من فقس بيضة بحذاء رياضي، وكلما تأخر الوقت كان الإجهاز عليهم أصعب، إذ سيمنحون وقتاً لترتيب أوراقهم، فيخفون مسروقاتهم، ويخططون على نار هادئة لقلب الأمور لصالحهم، فالفاسدون لن يستسلموا للأمر الواقع بسهولة، وكل الاحتمالات التي تمنحها إياهم ثروتهم الطائلة مطروحة..
الفاسد شهير باستداراته السريعة الماكرة، لا تُؤمن بوائقه، ولا تُسدُّ طرائقه..فهل سيظل الصالحون مستمرين، على رؤوسهم الطير، إلى أن تعاجلهم منه قاصمة الظهر؟
الفاسد يتكلم غير هيّاب لخلفه، مُمعِنا في ازدرائه والاستخفاف به..فعلى أي عصا إذن يتوكأ في ذلك؟! ولماذا أيضا كل هذا الانتظار؟!
الدولة عاجزة عن معاقبة من ثبت فسادهم في تقارير هيئة النزاهة؛ والغريب أن يثبت فسادهم بموجب تقارير رسمية ثم لا يعاقبون، بل أكثر من ذلك يبقون في مواقعهم، سواء الرسمية أو السياسية، لا ينغص لهم عيش ولا يوقظ منهم نائم..
كلام قبل السلام: الواجم أمام الصعاب لم يستعن بجريء في اقتحامها، والوزراء والمسؤولون الجدد، لا يختلفون في بطئهم وتوانيهم عن أسلافهم، والواقع يمكن وصفه بأنه استناد ضعيف على ضعيف، واقتداء كفيف بكفيف!
سلام..



