اراء

ما جدية الصين وروسيا في مواجهة امريكا ؟

بقلم/محمود الهاشمي

لايشك احد ان الولايات المتحدة ومنذ بداية نشأتها تعتمد مبدأ (التآمر) على شعوب الارض ،وقد ورثت ذلك من بريطانيا العظمى التي استخدمت ذات المنهج لاخضاع الشعوب لها والاستيلاء على ثرواتها ومقدراتها .

لايمكن لنا ان نغير منهج امريكا هذا ،لانه يمثل وجودها وحضارتها وديمومة بقائها ،رغم ماظهر من كتاب وفلاسفة ومفكرون وسياسيون انتقدوا منهجها هذا واعتبروه تجاوزا على قيم الحرية والعدالة وامتهان سكان الارض .

ان اخطر مافي المنهج الاميركي انه ليس له قواعد ثابته ،انما يرى في جميع الاساليب صالحة للوصول الى الهدف المنشود حتى لو كلف المزيد من الخسائر  في الارواح والاموال والاسلحة والتجاوز على مباديء حقوق الانسان ومحو مدن وهذا مايجعل امريكا هي الاخطر على اهل الارض عموما .

ما يؤسف انه كلما شرعت مجموعة   دول لمواجهة امريكا ومخططاتها واستعدت وضحت بالغالي والنفيس لاتستطيع ان تطاول كثيرا حتى تنهار  كما حدث مع الاتحاد السوفيتي الذي امتلك المساحة الواسعة من الارض الممتدة على قارتين وامتلك العقيدة والمال والثروات والتفوق العسكري لكنه لم يكمل القرن حتى انهار واصبحت دولهُ شتاتاً،ولاشك ان وراء ذلك اسبابا كثيرة !!

لانريد ان نقول ان انهيار امريكا بالامر الهين ،ولكن مثلما انهارت حضارات من قبل رغم تفوقها وتميزها ،ومثلما  يقول ابن خلدون ان  اي حضارة تنهض  تحمل اسباب قوتها وضعفها معا ،وتنهار حين يغلب الضعف على مصادر القوة .

هذه المقدمة سقناها بعد ان شهدنا ان الولايات المتحدة بدأ الضعف يدب في اوصالها ، لاسباب اقتصادية وعرقية وغيرها ،وهي فرصة لدعاة الانسانية ان يتخلصوا من هذا المفترس بعدما  تجاوز ضحاياه الملايين ،وبعد ان هدد السلم العالمي ورعى الحكومات الظالمة وهي تحكم قبضتها على شعوبها .

ما يؤلم ان القبضة  بدأت تضعف اتجاه امريكا ،شيأ فشيأ رغم انها فقدت الكثير من عناصر قوتها ،حيث استخدمت الابتزاز ضد الدول الصديقة لها واستحوذت على اموال طائلة لمعالجة وضعها الاقتصادي ،كما استخدمت ادواتها في منطقة الشرق الاوسط لتغيير الخارطة السياسية والاقتصادية وذلك عبر سلسلة من الاجراءات بدات بمؤتمر وارسو وورشة البحرين للتمهيد لصفقة القرن وانتهت الى استقدام دول الخليج الغنية لثرواتها وموقعها الى حيث (التطبيع ) مع العدو الصهيوني ،فيما مازالت الاجراءات مستمرة الى اخضاع المنطقة لهيمنتها بشكل اخر ،وصناعة كتلة وتحالفات لرعاية مصالحها .

ان جميع الدول التي اعلنت موقفها الواضح ضد الهيمنة الاميركية مازالت تعاني من وضع اقتصادي وامني وسياسي متدهور بل ويضيق عليها الخناق ،فالجمهورية الاسلامية تعاني من حصار ظالم وقاسٍِ ،وانهيار عملتها دليلنا في ذلك ،وكذلك العراق الذي وصل به الامر بالعجز عن تسديد رواتب موظفيه ويعاني شعبه من تدهور الخدمات وعملية سياسية فاشلة ،وتإثير السفارة الاميركية وباموال خليجية على صناعة اجيال متمردة على القيم والدين وغيرها .

كما ان لبنان تعاني من ازمة اقتصادية حادة وان المخطط الاميركي ضدها يمضي بشكل عادي لاخضاعها الى الحصار المصرفي ،وخلق الازمات لها عبر تفجيرات مرفأ بيروت وغيرها في وقت تحضر فرنسا التي تم استقبال رئيسها بالالاف من التواقيع لعودة الانتداب ،وتغيب دول اخرى !

الان فرنسا ومعها الولايات المتحدة هي من تحدد مصير لبنان في صناعة حكومة (امريكية اسرائيلية) لمحاصرة (حزب الله) والعمل على سلبه سلاحه .

سوريا معاناتها اكبر فمازالت اراضيها موزعة بين تركيا وامريكا والارهاب ،ومازالت اسرائيل تستهدفها كل حين دون ان تقوى سوريا على الرد ،فيما وضعها الاقتصادي يزداد تدهورا في ظل سيطرة امريكا على ثرواتها النفطية وحرمانها منها ،بالاضافة الى الخراب الذي يعم مدنها ومعاملها وبناها التحتية.

اليمن تعاني من حصار ظالم ومجاعة وامراض وموت المئات من شعبها جراء الحرب الظالمة عليها من قبل السعودية والامارات وتجزئة ارضها والاستيلاء على ثرواتها وجزرها ومنحها للعدو الصهيوني .

الشعب الفلسطيني في غزة والضفة يعيش وضعا صعبا جدا ،يصل حد الفاقة ،في ظل حصار عربي صهيوني امريكي وقطع المساعدات عنه.

هذه الامور وغيرها مهما حاولنا تصغيرها فانها اصبحت مشكلة كبيرة تواجه مصير دول الممانعة،التي كانت تنتظر محاصرة خصمها بعد ان قطعت اشواطا طويلة من الجهاد والقتال والصبر .

الان هذه الدول تواجه الجبروت الاميركي لوحدها ،وتضطر ان تتقبل واقعا صعبا ،ففي العراق اكره الشعب على تقبل حكومة الكاظمي رغم علمه بأمركتها ،ولبنان بلاحكومة ومضطرا ان يتقبل ترسيم الحدود مع العدو الصهيوني رغم ايمانه بعدم الاعتراف باسرائيل كدولة ،وقبوله المزيد من قوات اليونيفيل التي ستحاصر  حزب الله من اي وقت اخر والهدف واضح (سلاح المقاومة) وربما تتقبل سوريا وضعا اخر وهكذا بعد ان صنعت امريكا نظام حكم موال لها في جميع الدول العربية وسوف تستفرد بهم واحدا واحدا بالسوق نحو التطبيع مع اسرائيل !!.

لاننسى الوضع بالسودان ،فان الولايات المتحدة مارست ضغوطا كبيرة عليها ،سواء في الحروب الانفصالية او الاقتصادية والسياسية حتى انتهت لحكم عسكري سرعان ما اتجه الى اسرائيل !!

الاوضاع في المغرب العربي بعد (الربيع) مقلقة والتدخل الخليجي على اوجه في اثارة الشارع وصناعة الازمات وانشاء حكومات ضعيفة في ظل تدهور اقتصادي ،وزيارات المسؤولين الاميركان الى المغرب تؤكد عقد العديد من الصفقات العسكرية لجعلها حارسا لمصالحها في المنطقة ،اما مأساة ليبيا فغنية عن التعريف ومدى التدخلات الخارجية في سؤونها والاستيلاء على ثرواتها وربما تجزئتها .

امريكا لم تقف عند هذا الحد بل ذهبت الى اثارة المشاكل والنزاعات عند حدود روسيا والصين والجمهورية الاسلامية ،كما في احداث ارمينيا واذربيجان واحداث قرقيزيا الاخيرة ومالديفيا وجورجيا وبيلاروسيا ،وهذه الدول لها تأثير على طريق الحرير الذي من المؤمل العمل به ليكون عنوانا لقطب اقتصادي جديد يواجه امريكا . كنا نأمل موقفا اكثر فاعلية وحضورا من الصين وروسيا ،التي تتقدم بخطا سلحفاتية نحو لبنان وسرعان ماتركت الساحة وكذلك في سوريا التي ماعاد التواجد الروسي يوفر لها دعما قويا للحفاظ على سيادتها او اقتصادها على الاقل ،

ناهيك عن موقف الصين وروسيا الضعيف اتجاه العراق فقد تركوا الساحة لاميركا وفي مواجهة مباشرة مع الشعب العراقي بالاضافة الى التدخل التركي .

كيف لنا اذن في ظل هذه التداعيات ان نواجه امريكا او نصنع كتلة قوية ضدها ؟

امريكا لم تترك (اصدقاءها) فهي في ذهاب واياب وتضحيات متواصلة ،حيث يتعرض التواجد الاميركي بالعراق الى سلسلة طويلة من المواجهات مع المقاومة بما في ذلك قوافل الدعم اللوجستي والسفارة وغيرها

ولكنهم لم يتركوا الساحة بسهولة وكذلك في سوريا وضعهم صعب وفي افغانستان حيث لايمر يوم دون استهداف لهم من قبل طالبان والمزيد من القتلى ،فما بال روسيا والصين

لاتدخل الميدان حتى الان مثلما تفعل الجمهورية الاسلامية التي ترسل المعونات الى فنزويلا وسوريا ولبنان بالعلن ورغما عن امريكا وتهديداتها ؟

يعلم الجميع ان الصين تملك اقتصادا متفوقا وامكانيات على كافة الاصعدة بما في ذلك العسكرية لكنها مترددة في مواقفها ،فعلى الاقل ان تدعم الجمهورية الاسلامية التي تعاني من حصار يشمل حتى الادوية والحاجات الضرورية !

يوم الخميس الموافق8/10/2020 اصدرت امريكا عقوبات على (18)مصرفا ايرانيا لدرجة قال وزير خارجية الجمهورية الاسلامية عنها على تويتر: العقوبات الأمريكية الجديدة تستهدف نسف ما تبقى لنا من قنوات للدفع مقابل الغذاء والأدوية!!ترى اين هي مواقف (الاصدقاء) ؟ربما سائل يسأل؛-هل امريكا بلا مشاكل ؟

ان امريكا مزدحمة بالمشاكل سواء الداخلية والخارجية حتى ان وحدتها مهددة !!

وربما تكون الانتخابات المقبلة تحدد مصيرها المجهول ،في وقت تبيع الصين فقط كمامات ب(40) مليار !

نعتقد ان قوة امريكا ليست في اقتصادها او اسلحتها ولكنها تملك ادوات اخرى تغيب عن ذهن خصومها ومنها الاعلام والعقوبات واستخدام المخابرات بالشكل الذي تستطيع من خلاله فت واضعاف اي من الدول التي تقف ضدها ،ونسأل ؛-هل طالع احدنا صحيفة صينية ؟فيما الصحف الاميركية بين يدينا مترجمة كل يوم ،وحتى الاعلام الغربي والعبري !

 نعتقد ان دول (الممانعة) مازالت بعيدة عن صناعة استراتيجية موحدة لمواجهة الهيمنة الاميركية ،والاّ لما تمكنت ان تمنع الشركات الصينية من استيراد النفط الايراني لصالح الصين او الدول الاخرى ،في وقت يزداد عدد الدول المتضررة من امريكا وسياساتها وهي فرصة لمواجهتها دون تردد ،فالسلاح الروسي متفوق واقتصادها متين والاقتصاد الصيني متميز ،وايران دولة متماسكة وجريئة في منازلة خصومها ،كما تمتلك من ادوات القوة العسكرية والعلمية والموقع الجغرافي ما يؤهلها لاي دور فاعل ،ويكفي  شاهدا ان صواريخها تنزل على رؤوس الاعداء كل يوم !!

لايجوز ان تترك امريكا لترتب العالم وفق اهوائها لان ذلك يهدد الانسانية جمعاء ،وان منازلتها اليوم خيرا من غدِ،فقد تستعيد انفاسها ويصبح امر منازلتها صعباً.

الصين تراهن على الوقت في تراجع امريكا داخليا وخارجيا وترى في الاقتصاد السلاح الامضى في المواجهة وهذا غير صحيح لوحده بل لابد من الانفاق العسكرية وبناء قوة عسكرية مع الاصدقاء تجعل امريكا تدافع عن نفسها وغير قادرة على الهجوم .

روسيا ليس لديها استراتيجية محددة اتجاه امريكا ولاتريد ان تكون وريثاً  للاتحاد السوفيتي الذي انهار وهو يمتلك اكبر ترسانة اسلحة بالعالم ،بل ولاتريد ان تعتبرها امريكا عدوا لها وخصما .

اوربا تنتظر لحظة الافلات من المدار الاميركي ولكن ليس هنالك من يشجعها على ذلك فبتقديرها ان الصين غير منسجمة او غير جادة بتشكيل قطب منافس لامريكا وان روسيا سياستها غير واضحة المعالم ،وان ايران غير كافية للانخراط معها في مشروع المواجهة !!

امريكا للاتينية سمتها (اليسار) وشعوبها ناقمة على امريكا ولكن ليس هنالك من يأخذ بيدها نحو التمرد على السياسة الاميركية.

لانعرف ان كانت الزيارات المتواترة لمسؤولي الجمهورية الاسلامية الى الصين من اجل توحيد الجهود لمواجهة التجاوزات والتدخل الاميركي بالمنطقة  ننتظر .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى