“جِراءُ” الزمن الرديء التي تجرأت على رجل هزم التأريخ!

قاسم العجرش
“جِراءُ” الزمن الرديء التي تجرأت على رجل هزم التأريخ! هل ندعي أننا تأثرنا بالحسين “ع” وغيَّرْنا حياتنا إيجابيا؟! مثل ادِّعاءٍ كهذا بالنسبة لأيٍّ منا، أكبر مما قد يتمناه بشر! فالحقيقة أنه ربما أن بعضنا تأثر وتغير جزئيا، لكن أن يتغير أحدنا بشكل كلي، فهذا شرف لا يدعيه أحد، لأنه غير قابل للحدوث!
لماذا؟..السبب بسيط جدا، فالحسين”ع” ليس على الأرض قطعا، ولو كان عليها لضاقت بما رحبت، واحتفظت به وحده وكفى به شرفا، ولاهتزت فرحا وطربا، لكنه عليه السلام اسم مكتوب على قوائم العرش، والاسم لا يطلق إلا على موصوف محسوس، والمحسوس قرب العرش، فجده ” ثم دنى فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى” والحسين استمسك بالعروة الوثقى، ولذلك لا يمكن لأيٍّ منا أن يصل إلى حيث هو قط..
كنت فيما مضى من الزمان؛ أستغرب أن يقتل رجل كالحسين؛ وبهذه الطريقة البشعة دون تدخل من الله؛ الذي كتب اسمه واسم جده وأبيه؛ وأمه وأخيه على قوائم عرشه؛ ولكن استغرابي قد انتفى، بعد أن أدركت مع الأيام حقيقة مهمة مؤداها: أنه إذا لم يصطفِ الله الحسين شهيدا، فمن يصطفي من خلقه إذاً؟
لك أن تتخيل أن يكون جدك من قال له رب العرش ” وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ”، وأبوك رجل كان كالإمام علي الذي قال فيه الله عَزَّ و جَلَّ: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴾، وتخيل أن أمك “الكوثر” الذي أعطاه الله تعالى لرسوله الأكرم، وتخيل أن أخاك سبط رسول الله”ص” كالحسن سيد شباب أهل الجنة، وريحانة جده!
تخيل كل هذا هو أنت! فهل تتوقع في أول عهد “الأمة” بالرسالة، تدوس صدرك سنابك خيل “الأمة”..”الأمة” التي تعتقد جازمة؛ أنها المقصودة بـ (كُنْتُمْ خيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، وهل تتوقع أنه وفي زمننا هذا؛ الذي هو ربما آخر الزمان، يرقص طربا في ذكرى مصرعك واحد اسمه الكربولي، وينظم واحد اسمه العقابي فيك شعرا، يساوي فيه بينك وبين عفن سِكِّير؛ قتل وهو يحمل زجاجة خمرة؟
..ها..هل تتوقع ذلك؟
كربلاء الحسين بواقعة الطف؛ ما تزال تمثل حدا فاصلا بين الحق والباطل، بين اليقين والزيف، بين الخير والشر، لذلك فإن علاقتي مع الحسين؛ لا تعدو أن تكون مجرد محاولات بائسة؛ ولكنها ليست يائسة؛ للاقتداء بنموذج عظيم قلما وجد له شبيه، وعلاقتي مع الحسين كعلاقة الريشة بالريح، فالريشة تتهيب من الريح، كما يتهيب التأريخ من هذا الإنْسيِّ الذي عصف بكل التواريخ..
كلام قبل السلام: أنا الحسرة والحسين أنموذجا قلما يتكرر، ولو كان الأمر بيدي أو متاحا، لكنت اخترت أن أموت على طريقه بعد أن أشفي غليلي، من تلك الجِراءِ التي رضعت من أثداء كلاب “الحوأب”، الجِراءُ التي تجرَّأتْ في زمننا الرديء هذا، على رجل استطاع أن يهزم التأريخ كالحسين..
سلام.



