اراء

حكومة حسنة ملص ..

بقلمي .. منهل عبد الأمير المرشدي
في مطلع الأربعينيات من القرن الماضي جاءت إلى العراق الراقصة المصرية نجوى فؤاد لتؤدي رقصاتها بالرقص الشرقي على صالة سينما الشعب وكانت ترقص ثلاثة أيام فى الأسبوع ويحضر رقصاتها كبار التجار والمسؤولين وبعض النواب وكانت صالة سينما الشعب لا ترقص بها أي راقصة إلا إذا كانت على مستوى نجوى فؤاد (هَزًّا وارتجافًا وأداءً وتأريخاً مُشرِّفًا) . ولأن رواد هذه الحفلات هم من كبار المسؤولين والسفراء والضيوف الرسميين فقدد خصصت شرطة السياحة الملكية كبار ضباط الأمن السياحي للإشراف عليها يترأسهم العقيد كمال الحلي الذي كان ملتزما خلوقا يتمتع بحب الجميع حتى إن جميع الذين يتعاملون معه بكل مودة ومن ضمنهم كانت بنت منطقة الميدان الشهيرة (حسنة ملص) صاحبة محالِّ الدعارة التي تحضر لمشاهدة الحفلات جنبا إلى جنب مع الوزراء والمسؤولين والتي كانت تحترم الضابط كثيرا . في أحد الأيام وبعد انتهاء حفلة الرقص أقيمت جلسة سهر في استراحة السينما لتناول الخمور وكانت نجوى فؤاد جالسة جنب أحد المسؤولين تحتسي الخمر وأسرفت في الشراب كأسا بعد كأس ثم كأسا بعد كأس فسكرت وفقدت توازنها (الفني) وبدت منها تصرفات تسيء للحاضرين فجاءها العقيد كمال الحلي وطلب منها بكل أدب أن لا تتجاوز وأوضح لها أنها شخصية معروفة ومهمة ولا يجوز لها أن تكون في هذه الحالة فارتفع صوتها عليه وحصلت بينهما مشادة كلامية فما كان منها إلا أن أقسمت ب(شرفها الفني) على معاقبته وفعلا في اليوم التالي علم العقيد كمال الحلي أنه قد تم نقله إلى مديرية سياحة الناصرية في الأهوار . سلّم الرجل أمره إلى الله وبأدب جمع أشياءه وقام بتنفيذ طلب النقل دون أي ردة فعل أو اعتراض وعزم التوجه إلى الناصرية . في ذات اليوم ليلاً علمت حسنة ملص بالأمر وما حصل للضابط من نقل خارج بغداد فشاط غضبها وأَشْرأبَّتْ عيناها ووقفت وسط الحاضرين وقالت ( بقي علينا نجوى فؤاد تنقل حبايبنا بكيفها) ثم أمسكت ضفيرة شعرها وقالت ( والله ثم والله أنا مو حسنة ملص إذا ما رجع كمال باجر يداوم هنا ) . لما وصل العقيد كمال إلى مديرية شرطة سياحة الناصرية لتسليم نفسه فوجىء بوصول قرار نقله مرة أخرى إلى إدارة السياحة والآثار في بغداد وبنفس مكانه السابق . استغرب الرجل من الأمر واتصل تليفونيا بصديق له في وزارة الداخلية وعلم أن أمر نقله وإعادته كان بطلب من حسنة ملص وأنها اتصلت بالوزير شخصيا ونفذ لها الطلب . عاد الضابط إلى بغداد وتوجه إلى ديوان عام وزارة الداخلية وقام بمقابلة وكيل الوزير لشؤون الضباط اللواء أحمد النجفي وقدم استقالته . سأله الوكيل عن سبب استقالته وغضبه وقال له ما بك منزعج وقد رجعت إلى مكانك فرد عليه . سيدي إن الذي يذلني ويزعجني ويهينني أن الذي نقلني نجوى فؤاد والذي أرجعني حسنة ملص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى