اراء

تشابه الثور علينا ..

بقلمي منهل عبد الأمير المرشدي
كان الناس في أرياف جنوب العراق بثلاثينيات القرن الماضي من الطيبة والفطرة والبساطة بما لا يمكن وصفه حيث يخرج الرجال مبكرين صباحا إلى الحقول للزراعة والسقي فيما يبقى الصغار والفتيان في المضايف لاستقبال الضيوف وتنصرف النساء بعد خلاص شغل البيت ليسبَحْنَ في النهر بمكان معزول كأنه مخصص لهن ، فهو مستور ولا يقترب منه أحد من رجال القرية . وفي يوم من الأيام كانت بنت شيخ العشيرة الأكبر تسبح مع صاحباتها وعندما أنهيْنَ السباحة أسرعْنَ إلى ملابسهن الموجودة على جرف النهر فوجدن ثمة شيء بعثرها أو داسها وكانت بنت الشيخ قد أخفت ( صيغتها) مجوهراتها في إحدى قطع ملابسها ملفوفة فلم تجدها . فتوقعْنَ أن لصّاً ما قد قام بذلك وعند خروجهن شاهدن رجلا من القرية قريبا منهن يدعى مزعل فاتهمْنَهُ بسرقة المجوهرات وأخبرت بنت الشيخ والدها فقرر أن يأتي مزعل وأعمامه للفصل العشائري وبعثوا له (كوامة) بأعتباره هو الحرامي . اضطر المسكين مزعل أن يرضخ لطلب الشيخ فلا حول له ولا قوة إلا بالرضوخ لما يريد الشيخ ،فجاء مع أعمامه إلى المضيف وبحضور مشايخ المنطقة ورجالها في كعدة الفصل . أراد الشيخ أن يرحب بهم فصاح على واحد من رُعاتِهِ وقال له ( تعال وليدي .. اخترْ أكبر ثور واذبحه غداءً لضيوفنا) . ذهب الراعي وذبح الثور وسلخه فوجد مجوهرات بنت الشيخ في كرش الثور فجاء مسرعا إلى الشيخ وهمس في أذُنِهِ ( يا محفوظ ذهبات المحروسة بنتك ماكلهة الثور ) . صمت الشيخ وأسرَّها في نفسه إلى أن تناولوا الغداء وشربوا الشاي فأراد السيد الذي معهم أن يتحدث عن الفصل وبدأ بالتسابيح والآيات ولكن الشيخ عاقل وصاحب بخت ووقار قاطع السيد وقام بنصف المضيف وقال ( يا جماعة الخير حجينه مأكله الثور اشربوا الگهوة وتوكلوا على الله فدوة لكم الذهب). ولأن لكل حكاية ربّاطها وارتباطها ودليلها وشاهدها وشهيدها نقول ونسأل ونتساءل في بطن أي ثور نجد أموال العراقيين المنهوبة وهذا الشعب المظلوم والمسكين المستكين لا يدري ما يفعل وقد كثر الثيران فتشابه الثور علينا .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى