ثقافية

 “ربطة العنق” إحالة إلى معاناة الآباء من الظلم في سجون الطاغية

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…

يرى الشاعر والناقد وجدان عبد العزيز ان نص”ربطة العنق” للكاتبة ابتهال بليبل هو احالة الى معاناة الاباء من الظلم في سجون الطاغية.

وقال عبد العزيز في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي) ان الكاتبة ابتهال بليبل عنونت نصها بـ(ربطة العنق)، وهذا الامر يحيل الى النقد الثقافي، وهومن الظواهر الادبية، التي رافقت ما بعد الحداثة في مجال الادب والنقد، ويتمثل منهجه باستكشاف الانساق الثقافية المضمرة، فلماذا (ربطة العنق)؟، والظاهر ان هذه العبارة، عبارة عادية مظهرية، لكن الكاتبة وضعتها اطارا لطرح ظواهر كثيرة منها مرتبطا بذات الكاتبة، ومنها ظواهر موضوعية.. اذن ربطة العنق اطار مظهري عام، حملت معها انساق ثقافية مضمرة، (وعليه، فالنقد الثقافي هو الذي يدرس الأدب الفني والجمالي باعتباره ظاهرة ثقافية مضمرة.

واضاف: وبتعبير آخر، هو ربط الأدب بسياقه الثقافي غير المعلن  ومن ثم، لايتعامل النقد الثقافي مع النصوص والخطابات الجمالية والفنية على أنها رموز جمالية ومجازات شكلية موحية، بل على أنها أنساق ثقافية مضمرة تعكس مجموعة من السياقات الثقافية التاريخية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والقيم الحضارية والإنسانية. ومن هنا، يتعامل النقد الثقافي مع الأدب الجمالي ليس باعتباره نصا، بل بمثابة نسق ثقافي يؤدي وظيفة نسقية ثقافية تضمر أكثر مما تعلن.

وتابع: فالكاتبة هنا ومن خلال هذه السياقات كشفت عن اشياء كثيرة حملها نص (ربطة العنق)، تقول في النص:

(لابّد أنّ ربطة العنق،

قد منحتك نظرة وسيم، يتحاشى السقوط في فخ النساء.

هكذا، كان يُمكن أنّ أصفك متغافلاً عن تتّبع رؤوسهن المرفوعة قرباناً

لجهتك، ولكنك لن تدوس على ارتباكك، دون أنّ تتعثر

بعباءة امرأة تحسب نفسها أطول مني.  

واشار الى ان الكاتبة حاولت مسك الاشياء المتعلقة بربطة العنق، اي تلك الاشياء الموضوعية المتعلقة بالاخريات المشتركات في الانتباهة لهذه الظاهرة، كي تربط واقع الحال بذاتها نفسها من خلال قولها: (بعباءة امرأة تحسب نفسها أطول مني.)، بالاشارة الى عبارة (اطول مني)

واستطرد :ومن خلال الانساق المطروحة اشارت الكاتبة الى ظواهر اجتماعية، طرحتها كما هي دون ان ترفضها او تؤيدها، لتفسح المجال امام المتلقي لرفضها عازيا رفضها لاسباب كذا وكذا، اي النص تعامل ديمقراطيا مع المتلقي في مناقشته وابداء الرأي حوله، فحواسها المعتمة، ولم تبين اسباب عتمتها، شبهتها بمنظر الخيانات، وايضا لم تبين نوع تلك الخيانات، فالمتلقي يبنى قناعاته على الظواهر المطروحة، وبدأ يصفُّ تبريراته بالرفض صفّاً، وهنا لابد من توضيح مفهوم الادب حديثا على معنيين، الاول معنى شامل وعام ويُدرِج جميع ما يُكتَب في اللغة من العلوم والآداب تحت مفهوم الأدب، والثاني معنى خاص ويُقصد به أنّه لا بدّ أن يكون الكلام ذا معنى ويتّصف بالجمال والتّأثير ليكون أدباً، ويشمل العديد من أساليب الكتابة الشعرية والنثرية والمسرحيات والروايات والأمثال، ومن هذا المنطلق وضع سيّد قطب مثلا للعمل الأدبي ثلاثة شروط هي التجربة الشعورية والتعبير والإيحاء، وهو يُفسّر مفهوم الأدب على أنّه التعبير عن تجربة شعورية في صورة موحية، لذلك يوضّح أنّه لا يُمكننا اعتبار الكثير من الكتب العلمية، أو التّاريخية، أو أي كتب مدوّنة تدويناً جميلاً على أنّها من الكتب الأدبية، ولهذا فان نص (ربطة العنق) حمل الكثير من الايحاءات الجسدية الظاهرة منها والباطنة، تقول الكاتبة في متن النص:

(عادةً،

يضبط الرجال ربطات اعناقهم لاختبار الطمأنينة. 

ولا أقصد بهذا أنّها قد تُخفي قلقك دفعة واحدة،

فقط.. ربطة عنق

أستطيعُ أنّ أتذكر هذا المشهد، كما كان أبي

يفعل في الثمانينيات.

أمامي: ألوان، ربطات مخططة تحت غير مخططة،

دبابيس خاصة. 

ولكن رائحة زنزانة السجن تتسلّل منه، ودموع

كذلك تتسلّل حارة، وربما حتى الآن.)   فاشارت الى الحالات الشعورية التي تتركها ربطات العنق، ثم ذهبت الى حالات التذكر الاحالية، كتذكر الاب في عقود ماضية، وهذه العقود الماضية حملت معها رائحة السجن، اي هناك اشارات الى القمع والتسلط الحكومي التعسفي في ذلك العهد، (عهد الدكتاتورية)، وكل هذه الاحالات، هي احالات ارتبطت بالموضوعية والقضايا العامة.

وختم :في هذا النص ركزت على ايحاءات الجسد وانعكاساته على ذات الكاتبة وعلاقاتها بالاخرين مظهريا من خلال الصورالمتتالية في ذاكرتها المرتبطة بعقدة ربطة العنق.. اذن النص الادبي بصورة عامة يبقى معبرا عن هواجس ذات المبدع، غير انه يتوجه في نفس الوقت الى الاخرين، وبهذا يكون نوعا من الاتصال التعبيري عن الهواجس مع الجمهور، وبالتالي فان الكاتب هو ابن بيئته ويظل فردا في مجتمع، هو نتاجه، في العادات، والسلوك، والاندماج الوجداني معه، وحتى انجذابه إلى ثقافة وتقاليد مجتمعه، تظل من دون شك عاملا مؤثرا، في تكوين نمط أسلوبه الادبي، باعتبارها خميرة تلك النشأة الماثلة في مخيلته، والمستوطنة في وجدانه، اي انه يحمل بعدين، أولهما اجتماعي، ينطلق من فضاء الواقع المعيش، وثانيهما فردي، ينطلق من خيال المبدع، فجلّ كتابات ابتهال بليبل تمتهن قضية التأثر بالعامل الاجتماعي، ومحاولة التأثير فيه من خلال تناصاتها مع شخصيات ادبية وفنية من مجتمعات اخرى، من ثم يأتي دور المتلقي في الكشف عن الانساق تحت البنية الظاهرة، وهذا الكشف لابد ان يكون مصحوبا بوعي نقدي، كي يخرج النص من حدوده الضيقة الى فضاءات ارحب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى