“بيت التراب” آلام الحرب والتفتيش في فظاعة الماضي وتفسير أحداثه بوعي سياسي

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…
يرى الناقد قحطان جاسم ان المجموعة القصصية “بيت التراب” للقاصّة نهى الصراف تمكنت من عرض قضية الحرب بمعظم تجلياتها، وكشفت تصورات الناس وآلامهم وتطلعاتهم، وما يتعرضون اليه من تشوهات اخلاقية واجتماعية. وبهذا فقد حققت الغرض الابداعي من قصصها، ليس فقط على مستوى تقديم متعة جمالية للقاريء، بل وايضا على مستوى فكري وشعوري، في مسعى يهدف لحث القاريء لاعادة قراءة الماضي وتفسير احداثه بوعي.
وقال جاسم في تصريح لـ(المراقب العراقي) :في المجموعة القصصية ” بيت التراب” للصحفية والكاتبة نهى الصرّاف، التي صدرت عن دار الحكمة في لندن والتي تضم 14 قصة قصيرة هناك هم مشترك يمكن للقاريء ان يتتبع خيوطه على امتداد موضوعات واحداث القصص، وهو قضية الحرب وما خلفته من مآسي وذكريات مريرة او عاهات في نفوس الشخصيات، أو لكشف مكنوناتها وفضح اسرارها. مع ذلك لم تقتصر الثيمة الرئيسية على الحرب، بل اصبحت اطارا عاما تضيء خلاله قضايا سياسية واجتماعية. ويكمن هناك، خلف كلّ قضية ، الماضي، بكل تشوهاته وآلامه وفضائعه. وربما نرى، غاية غير مباشرة في هذا الكشف والعودة الى الماضي، غرضها الادانة وحث ذاكرة المتلقي على إذكاء وهج البحث في ذلك الماضي الذي هو جزء من تاريخ فردي وجمعي .
واضاف:ان المجموعة تفتتح بقصة ” حصالة نقود بثقب واحد” ص.10-14، التي يكون بطلها المحوري حمودي الاعور، المصاب بتشوّه بايلوجي منذ ولادته، كنتيجة لتخلف القابلة وسلوكها الشرير. ويرافق هذا التشوّه البايلوجي تشوّه اجتماعي و معنوي اخلاقي ، حيث نرى تحولات حمودي فهو” تلميذ فاشل في الدراسة، ومخلوق قميء، فاته قطار الحب والزواج ص.11. الا أن حمودي لم يرضخ لكل تلك التشوهات، بل واجهها بطريقته الخاصة، لكي يجد له محط قدم في الوجود، وفي مسعى للخروج من مأزق الاقصاء الاجتماعي الذي يواجهه في كل لحظة من حياته؛ عمل بحرف متعددة، انشأ فريقا شعبيا لكرة القدم، وحين حلّت الحرب ” و عاد الشبان في نعوش كثيرة”ص.12، اغتنم فرصته وفتح دكانا “لتجهيز مآتم الشهداء”.وحين انتهت الحرب، تحول الى مهنة اخرى، هدفها تزويد الزبائن بالافراح والاعراس، حتى ينتهي به الامر الى فتح دكان حلاقة ، الذي يبيع نصفه الى حلاق شاب وهو على عتبة الستين ،هنا نحن، إذن، امام شخصية متقلبة ، غير طبيعية ناتجة عن واقع معقد لا انساني، تحكمه مفارقة مأساوية، تعبر بوضوح عن واقع خربته الحرب والعلاقات الاجتماعية المضطربة التي برزت في إتونها وتعقدت في مجرياتها، لكن رغم هذا الاقصاء والاستلاب الاجتماعي فأن الشخصية تكافح كي تؤسس لها وجودا معترفا به، وإن يكن على مصائب الاخرين أحيانا.
وتابع :لم تتوقف ثيمة الحرب عند حمودي الاعور، بل تمد رأسها من جديد في قصص اخرى ” لوحة باهتة السماء”ص. 16-22، “الخطوط الخلفية”ص.30-38، “رسائل الرفيق عبد الامير” ص.40-48، ” اغنية وطنية”ص. 56-64، ” هل انتهت الحرب حقا”ص.82-86. الا أن الحرب لا تغيب عن القصص الاخرى في المجموعة، فهي ماثلة فيها ولو بصورة عابرة او رمزية. واذا كانت المجموعة تفتتح بشخصية حمودي الاعور، التي لا تمثل نموذجا اجتماعيا عاما ، بل ناتجا استثنائيا ساهمت في خلقه التشوهات التاريخية والانسانية التي مرّ بها العراق في فترة محددة، فإنها تختتم بشخصية رائد المخبل في “قصة شارع 16″ ص. 108-109.
واوضح : أن اختيار القاصة الصراف والتركيز على نوع من هذه الشخصيات، ربما، ليس هو هدفها الاساسي، بل يتعداه الى محاولة لشد اهتمام القاريء بما يحيط بها من تناقضات. فهي شخصيات لا تملك ثقلا ما في المجتمع ، وتعيش على هامشه ، بل وتواجه اقصاءً جمعيا تقريبا باعتبارها غير مهمة او نافعة للمجتمع. ولهذا فلا يمكن اخذ تحولاتها على محمل الجد او تنميط سلوكها وتعميمه على حالات اخرى لاستنباط صورة عامة عن الحالة السايكولوجية والاخلاقية للناس في تلك الفترة المعنية. يشير الباحث المصري د.رشاد رشدي مستشهدا بموباسان الى انه ” لم يكن من الضروري ، ان يتخيل الكاتب مواقف أو شخصيات غريبة ليخلق قصة ما- بل على العكس يكفيه أن يصور افرادا عاديين في مواقف عادية كي يفسرالحياة تفسيرا ويبرز ما فيها من معان خفية بمعنى آخر، أن الكاتب وهو يقدم لنا بعض الشخصيات او المواقف التي تبدو عادية او ثانوية في مظهرها، يمكن أن تؤدي ، اذا اتقن ذلك جماليا، الى عرض وكشف افعال وسلوكيات منظومة حياتية تكمن فيها أو تحيط بها.
واشار الى ان :القاصة الصرّاف، استطاعت الى حد ما، أن تنقلنا خلال اجواء تلك القصص الى خلف تلك الشخصيات لرسم حاضرها، الذي صار ماضيا بالنسبة للقاريء، وهو ماض يكاد يغيب بفعل مرارة ما خلفه من احداث اكثر شراسة ورعبا. بحيث يتحول الماضي هنا، كما يشير الناقد بريان كيث- سميث، الى ” دروس للتذكر وتحذيرات ينبغي التعلم من احداث الماضي.
وختم : ان نماذج القصص مستمدة بشكل عام من الحياة الواقعية المباشرة، وتعتمد التسجيل الذاتي في وصف الاحداث، حيث يطغي صوت الأنا في السرد، كما تميل الى الابتعاد عن التخييل السردي، رغم وجود استثناءات. تتفاوت بنية القصص ومبانيها السردية بين اعتماد الاشكال التعبيرية الكلاسكية في بناء القصة القصيرة التي تتطور على اساس العقدة ببداية ووسط ونهاية ، و بنى اخرى تكتفي بعرض الحدث والشخصيات دون وجود نمو درامي لها، كما في قصة ” السيدة أم كاظم” ص.50-54. وهي قصة تقوم على مقارنة وضعين انسانيين مختلفين، أي، بين كريستين ويليامز، سيدة جامايكية التي ” اختارت لها المصادفة أن تحط الرحال مع الأسرة في بريطانيا قبل نصف قرن تقريبا هربا من ماض بائس” ص.50، ثم تعيش، فيما بعد، بقية حياتها في بريطانيا ، و البصراوية ” أم كاظم” التي يستشهد ابنها في الحرب.



