المطلبي يحفر ذكرياته بعيون طفولته ووعيه السياسي والاجتماعي والثقافي الحالي

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…
يرى الناقد والصحفي نزار عبد الغفار ان الكاتب الكبير مالك المطلبي في كتابه “ذاكرة الكتابة حفريات في اللاوعي المهمل”يحفر ذكرياته بعيون الطفل الذي كان والوعي الذي تكون عبر مسيرة حافلة بالاحداث السياسية والاجتماعية والثقافية، استطاع أن يجتازها ليكون أحد الاسماء المهمة في تاريخ الثقافة العراقية.
وقال عبد الغفار في تصريح لـ(المراقب العراقي ):ان “كتابة ايّ نصّ اسهل من قراءته”.. هذا ما كتبه لي مالك المطلبي على الصفحة الاولى من كتابه المعنون (ذاكرة الكتابة حفريات في اللاوعي المهمل) وهو يهديني أياه.. فأيّ مهمة صعبة وضعني أمامها وانا احاول الولوج الى عالم المطلبي حيث يحفر ذكرياته بعيون الطفل الذي كان والوعي الذي تكون عبر مسيرة حافلة بالاحداث السياسية والاجتماعية والثقافية، استطاع أن يجتازها ليكون أحد الاسماء المهمة في تاريخ الثقافة العراقية.
واضاف : ان مالك المطلبي لم يكن بأقل من غونتر غراس و كيزابرو-أوي وهو يستعرض رسالتيهما لبعض حين يكتبان عن الأحداث الجسيمة التي مرّت بها المانيا واليابان ويؤرخانها كشاهدين صغيرين عليهما ان يعيشا مع مخلفات الحرب طيلة سنوات عمرهم فأن ” ما بعد الحرب قد لا ينتهي أبدا” كما أدرك غونتر غراس، وهو ذات الاحساس الذي عاشه كيزابرو-أوي حينما أكتشف “بألم شديد الفظاعات التي ارتكبها الجيش الياباني في آسيا..”..وهكذا وجد مالك المطلبي وهو يكتب وثيقته الخاصة تحت عنوان ” الهمهمة العراقية..العقوبات في مفاصل الدوافع” بأن الكاتبين الكبيرين قد “سرقا ” افكاره ” ثم عمّيا ذلك بنفوذهما اللغوي” ، مبينا ان الاحداث التي مرّ بها العراق و يراجعها اليوم ليس الا تكرار بشكل كوميدي لما مرّت به المانيا واليابان وهما يتجرعان مرارة الهزيمة على يد الحلفاء ، وهكذا فعل المطلبي اذ استبدل التاريخ الالماني بالتاريخ العراقي ليستبقي عبارة غونتر غراس كما هي ” في العراق الآن نقاش مسكدين وساذج: الاحتفال بالتاسع من نيسان بصفته تاريخ انتهاء الحرب، ام بصفته يوم التحرير”. فيما يعيد حديث كيزابرو- أوي عن الديمقراطية التي جاء بها ماك ارثر الى اليابان بعد الهزيمة وهو يستذكر ذلك الرهان على على “الديمقراطية من الخارج”.
قراءة النصوص الثلاثة الذي وضعها مالك المطلبي في مقدمة كتابه الصادر عن ديوان المسار للترجمة والنشر ، ضرورية لفهم النصوص اللاحقة رغم انه فصلها عن غيرها بأعتبار ما كتبه في (الهمهمة العراقية) هو نتاج الوعي وليس مثل بقية النصوص التي استردها من “اللاوعي المهمل”.
وتابع :لم يكن صعبا أن تسترد ذاكرتي تلك الصور التي يتحدث عنها المطلبي لمدينة(نا) العمارة، رغم أنه غادرها وأنا لم ادخل المدرسة بعد.. ولكن ها أنا استعيد تلك الأشياء التي يتحدث عنها مستدعيا اياها من مستودع اللاوعي، محاولا اقتفاء خطواته بالنظر الى الأشياء بعيون الطفل التي عاشها ولم يدرك أنه بعد سنين طويلة سيسترجعها ولكن بشكل مغاير لما هي عليه، فرغم أنها واقعية ” مستلة من الذاكرة: كلّ شيء حقيقيّ, الأسماء والأشياء والأحداث” الا أن ” الزائف الوحيد هنا هو اللغة” هكذا يقرر وهو يحفر في ذاكرته ليستعيد “آثار” ترسّبت في قاعها.
واشار الى ان :المطلبي حين يسترجع الصور التي اختزنتها ذاكرته عن الماضي سواء ما يخص مدينته المشرح حيث ولد وترعرع، او عندما يتحدث عن العمارة المدينة التي انتقل اليها ليكمل دراسته في مدارسها، وحتى عندما يتحدث عن بغداد بمقاهيها وادبائها وشوارعها القديمة .
واوضح ان: المطلبي لا يسطر ذكريات مجردة مرّت به ذات يوم، بقدر ما يجعلنا نستدعي نحن بدورنا تلك الصور التي مررنا بها، ونقارنها بما تشكل اليوم، وكيف كان ذلك التحول بين الماضي والحاضر، ليس من باب المقارنة المجردة للشواهد المادية التي اصبح الكثير منها انقاضا، بينما استحالت أخرى الى اشياء مغايرة لا تعني لنا شيئا مقارنة بما كانت عليه، ولكن لأدراك ذلك التحول بالوعي وتحولات الفكر ومتغيرات النظر الى الأشياء التي كنا نمرّ بها مرور العابرين لأنها جزء من روتين يومي نمارسه، وإذا بها تترسب في متاهات اللاوعي، حتى اذا ما استفزت الذاكرة عادت مرّة أخرى لتضعنا أمام مرآة زمنية تنقلنا الى ذواتنا وهي في مراحل تشكلها الأولى، ربما تجعلنا نشعر بالحنين الى ذلك الطفل الذي كنا، وكان ينظر الى الأشياء التي يمرّ بها بدهشة واعجاب حتى اذا ما كبر تلاشت، وسحقتها الحياة بتعقيداتها والحوادث الجسام التي شهدها ولاسيما أن العراق ” يمتلك أكبر رصيد في العالم من الحروب، وأكبر رصيد من المذابح، وأكبر رصيد من الأمل”! كما يصرح مالك المطلبي، وهو يقارب المشهد بين المانيا واليابان والعراق.
وختم : ان المطلبي لم يدون مشاهد من سيرته فقط، بل استعاد ذاكرة بلد، عبر المدن الثلاث التي مرت بها مراحل حياته المختلفة فأصبحت ملتصقة به كما التصق هو بها، ورغم أنه غادر المشرح والعمارة متوجها نحو بغداد قبل أكثر من سبعة وثلاثين عاما حتى تدوينه ذاكرته الكتابية التي بين يدينا، الا انها لم تغادره ، تفرض نفسها عليه حين يكون هو نفسه، حتى بات يشعر بزيف اللغة وهو يدون ما يسترجع مما يظنه مهمل في غياهب اللاوعي، ليضعنا نحن المتلقين أمام محنة القراءة فـ”كتابة أيّ نصّ، اسهل من قراءته”.



