الخرق الدستوري الفاضح للبرلمان في تأليف لجنة تعديل الدستور

د. حسن الياسري
منذ سنواتٍ عديدةٍ وأنا ألحظ بمرارةٍ غياب الوعي الدستوري، بل والقانوني أيضاً، في الأوساط العامة بمستوياتها المختلفة. ويكاد الألم يعتصر الجميع من هذا الواقع الفكريِّ المرير . وللتنويه فإنني استثني هنا الأساتذة الألمعيِّين المتخصصين في حقل القانون – من ذوي الفكر حصراً – ، الذين لا يكادون يمثلون سوى القلة القليلة جداً. بيد أنَّ المشكلة أنَّ هؤلاء القلة ليس لهم دورٌ في تنضيج الرأي العام أو تصحيح مساراته، وإنّ الذي ينبري من سنخهم لبيان القضايا الدستورية عادةً ما يخوض فيُخطئ !!
ولعلي لا أجانب الصواب إذا قلتُ إنّ الصورة قاتمةٌ – من هذه الناحية – ، ولا تُبشِّر بخيرٍ البتة ؛ فإذا تحدثتَ عن المتصدّين في وسائل الإعلام من الذين يتحدثون في الدستور تحت عناوين ومسمياتٍ متعددة ( خبير ، محلل ..الخ ) أُصِبتَ بالإحباط من كثرة أغلاطهم وخوضهم فيما لا يعلمون . وعلى الرغم من أغلاطهم الواضحة هذه فإنّ الإعلام ليس بمقدوره كشف ذلك، الأمر الذي يتسبّب في تضليل الرأي العام !! وإذا انتقلت إلى السياسيِّين فالأمر ليس بأخف وطأةً حينما تراهم يتحدثون عن القضايا الدستورية !!
أما البرلمان ، وما أدراك ما البرلمان ؟! فالمشكلة هنا تُعَدُّ رزيةً بكل معنى الكلمة ، ولا سيما أنّ الوعي الدستوري والقانوني البرلماني هو في تضاؤلٍ وانحدارٍ مستمرٍ دورةً بعد أخرى؛ إذ يرى أحدكم رأي العين أنّ الدورة البرلمانية الأولى كانت أهون من الثانية، والثانية كانت أهون من الثالثة .. وهكذا إلى أن وصلنا إلى مرحلةٍ أقل ما توصف بــ ( المأساة ) من ناحية الوعي الدستوري والقانوني !! والملاحظ أنّ معظم ما يتحدث به البرلمان من القضايا الدستورية قد يكون بلا هدىً أو كتابٍ منير !! مع التنويه بأنّ المقصود هنا هو المنظومة البرلمانية برمتها في بلدنا ، وليس برلماناً معيناً .
ولكي لا أطيل ولا أدخل في التفاصيل الكثيرة التي أوقع البرلمان فيها نفسه بالخرق الدستوري، سأتحدث عن آخر هذه الخروق والمخالفات وأشدّها فضيحةً وفضاضةً؛ إذ قام البرلمان مؤخراً ، تحت ضغط الشارع، بالتصويت على تأليف لجنةٍ لتعديل الدستور استناداً لأحكام المادة (١٤٢) من الدستور . وبغية إحاطة القارئ فسأشير بإيجازٍ إلى أنّ هذه المادة تدعو لتأليف لجنةٍ لتعديل الدستور خلال أربعة أشهرٍ، ولكي يسري التعديل لا بد من موافقة البرلمان بالأغلبية المطلقة، ثم إقرار الشعب عبر الاستفتاء العام، بشرط عدم اعتراض ثلثي المصوتين في ثلاث محافظاتٍ أو أكثر . والعجب أشد العجب أن يقوم البرلمان بالتصويت على هذا القرار، رغم أنه يمثل خرقاً دستورياً فاضحاً، ومخالفةً واضحةً؛ وذلك للأسباب الآتية، بإيجازٍ:
١- إنّ المادة (١٤٢) من الدستور هي مادةٌ انتقاليةٌ مؤقتةٌ وردت في الأحكام الانتقالية، وقد وُضِعَت في اللحظات الأخيرة من عمر كتابة وصياغة الدستور من قبل ما سُمِّيَ بـ (المطبخ السياسي)، بعد اكتمال نصوصه كافةً؛ بغية تطمين المكوِّن السني – بحسب الاصطلاح – ، الذي قال مُمثِّلوه في حينه إنّ هذا المكوِّن لم يُسهم بكل تفاصيل كتابة الدستور، وإنه إذا عُرِضَ الدستور بهذه الكيفية فسينال الموافقة وسينفذ ما دام الشيعة والأكراد سيصوتون له؛ من هنا جاءت هذه المادة المؤقتة؛ لتمنح المكوِّن السني فرصة رفض الدستور في حالة عدم الموافقة على نصوصه .
٢- لقد كان المقصود من المادة تطبيقها في أول دورةٍ برلمانيةٍ تعقب إقرار الدستور في عام ٢٠٠٥ ، وليس مادةً دائمةً يمكن الركون إليها في أي وقتٍ، أو في أية دورةٍ برلمانيةٍ؛ ولهذا ورد النص – المادة ١٤٢- كالآتي :
( يشكل مجلس النواب في بداية عمله لجنةً …). ولم يكن البرلمان في حينه تحت مُسمَّى (مجلس النواب) ، بل كان تحت مُسمَّى (الجمعية الوطنية العراقية الانتقالية)؛ ولذا ورد النص على أنّ المجلس يقوم بتأليف هذه اللجنة عند استهلاله العمل في أول دورةٍ له. وبالفعل تم تأليف لجنةٍ لتعديل الدستور استناداً لأحكام هذه المادة في الدورة البرلمانية الأولى، وقد كانت هذه اللجنة تتألف من (٢٧) عضواً ، وأُضيف إليها مراقبان اثنان من الكلدان والصابئة، وبذلك أصبح عددها (٢٩) عضواً ممثلةً للمكونات الرئيسة في المجتمع العراقي .ولقد عقدت اللجنة أول اجتماع لها بتاريخ ١٥تشرين الثاني ٢٠٠٦ ، واختارت السيد همام باقر حمودي رئيساً لها والسيد فؤاد معصوم والسيد إياد السامرائي نائبين له. واستمرت اللجنة في عملها لغاية عام ٢٠٠٩ .وقد خالفت اللجنة التوقيت الزمني الوارد في المادة المذكورة آنفاً القاضي بوجوب إنهاء عملها في غضون أربعة أشهر؛ كونها استمرت لسنين ناهزت الثلاث، بعد أنْ تم تمديد عملها لأكثر من مرةٍ ؛ الأمر الذي أدخل البلد في حينه في سجالٍ دستوريٍ كان يدور بين رأيين، الأول يقول بوجوب حلِّها؛ لعدم توصلها إلى اتفاقٍ نهائي خلال المدة المذكورة، والآخر يقول بوجوب التمديد لتحقيق حكمة النص. واستمر السجال حتى نشب الخلاف بين المكونات الرئيسة على مواد التعديل، ولا سيما الجانب الكردي؛ فتم التصويت على إنهاء عمل اللجنة ؛ فغدا ذلك الإنهاء بمثابة الحكم الدستوري بموت المادة (١٤٢) ، موتاً لا حياة بعده !!



