ثقافية

الاستشراف في الثورة الحسينية

المراقب العراقي/متابعة…

من الخطأ أن نفهم الاستشراف بأنّه جنس أدبي مخصوص، بل هو آلية تدخل في جميع الخطابات مهما كان توجهها أو نوعيتها، ويُعدّ الإمام الحسين عليه السلام من مرجعيات الخطاب الثقافي الإسلامي؛ لذا رأى الباحث من الضرورة بمكان الوقوف على أهمّ استشرافاته التي مثّلت ـ تاريخ

 

ياً ـ منعطفاً لفهم المدرسة العلوية، ودليلاً إعجازياً يُحسب للثورة الحسينة التي دفعت الكثير للاقتداء بها، وألهمتهم الوعي الجاد المثمر من أجل فهم الواقع والوقوف عند أهم مفاصله، لكن الاستشراف الذي وقف عنده الإمام الحسين عليه السلام استشرافاً لم يكن تنبؤياً، بل كان استشرافاً يقينياً مُسنداً بما قاله الرسول صلى الله عليه وآله، إذن كان عن علم، غايته دفع الواقع، ومنع الثورة من التأزم داخل دائرة الموت، بالنظر إلى ماهية الاستشراف الذي هو نوع من الفعل الإيجابي.

 

وما شهدناه في الثورة كان غاية الحقيقة، فقد استشرف الإمام عليه السلام الحدث قبل وقوعه، وجعل الموت غاية من أجل الحياة، وهو تكتيك أرعب معارضيه وأربك سيرهم، فقتل الإمام عليه السلام في معركة غير متكافئة سيخلق منه بطلاً يُنصفه التاريخ، وتركه يعني انتصاراً حقيقياً له، لما كان له عليه السلام من قبول عند العامّة؛ لذا جاءت موضوعة البيعة ليزيد خياراً خاسراً، أو قل ورقة تصرّح بمدى الخسران الذي يشكو منه البيت الأُموي إزاء البيت العلوي.

 

كلّ الأحداث التي جرت للإمام قُبيل معركة الطفّ تُحيل النظر والاهتمام لأقواله التي عكست ظاهرة فريدة، وهي استشرافية الموقف، والسير مع هذا الاستشراف بشكل استثمر معه الإمام الموقف لصالح المعركة، وأوّل مظاهر هذا الاستشراف أقوال الرسول صلى الله عليه وآله التي كانت حاضرة مع الحسين عليه السلام، ومنها تلك الأقوال التي كانت تؤكّد على مقتله، والكيفية التي تجري بها المعركة، ونحن هنا إزاء موقف لا تستطيع حكمتنا البشرية استيعابها بتفاصيلها؛ لأنّها تصيبنا بالدهشة من عظمة شخص الإمام عليه السلام وقدرة صبره، فقد قلب مفهوم الموت، ليكوّن مفهوماً جديداً للحياة، وهذا بالفعل يحتاج إلى طاقة هائلة، وحكمة تفرّد بها الإمام.

 

ومن أهمّ استشرافاته لموته قول الإمام السجاد عليه السلام: «خرجنا مع الحسين عليه السلام فما نزل منزلاً ولا ارتحل منه إلّا ذكر يحيى بن زكريا وقتله، وقال يوماً: ومن هوان الدنيا على الله أنّ رأس يحيى بن زكريا عليه السلام أُهدي إلى بغيٍّ من بغايا بني إسرائيل».

 

النص على خطورته يستشرف موت الإمام عليه السلام، مع حدث مفصلي في واقعة الطفّ، هو حمل الرأس الشريف على الرماح، والطواف به بين مدن العراق والشام، وهنا لا يمكن القول: إنّ هذا الاستشراف تنبؤي، بل هو واقعي، كان هدف الإمام من ذكره تهيئة أهل بيته وأصحابه وإخبارهم بقتله، وللمعركة نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى