ثقافية

الإمام الحسين (ع).. نبراس الحرية ومدرسة العزة والكرامة

المراقب العراقي/متابعة…

لم يفجّر الاِمام الحسين بن علي بن أبي طالب (سلام الله عليهما)، ثورته الرائدة العملاقة أشراً ولا بطراً، ولا ظالماً، ولا مفسداً وإنّما أراد تغيير الواقع المرير الذي كانت تعيشه الاَمة من جرّاء الحكم الاَموي المنحرف عن جميع القيم والمبادئ والاحكام الاسلامية التي جاء بها رسول الانسانية محمد (صلى الله عليه وآله)، ذلك النظام الاموي الفاسد المتمثل بحكم يزيد بن معاوية الذي أحال حياة الناس إلى جحيم لا يطاق، فقد عجّت البلاد الاِسلامية بجميع صنوف الجور والاِرهاب.

لقد فجّر الاِمام أبو الاَحرار ثورته الكبرى التي أوضح الله بها الكتاب وجعلها عبرة لأولي الاَلباب، فدكّ بها حصون الظلم، وقلاع الجور. ان ملحمة كربلاء من أهم الاَحداث العالمية، بل ومن أهمّ ما حققته البشرية من إنجازات رائعة في ميادين الكفاح المسلّح ضدّ الظلم و الطغيان، فقد غيّرت مجرى تاريخ الشعوب الاِسلامية، وفتحت لها آفاقاً مشرقة للتمرّد على الظلم والطغيان. لقد ألهبت هذه الملحمة الخالدة عواطف الاحرار، في سبيل تحرير المجتمع من نير العبودية والذلّ، وإنقاذه من الحكم اللاشرعي.

ان ثورة الإمام الحسين (سلام الله عليه)، لم تكن ثورة انفعالية، ولا حركة عشوائية، ينقصها الوضوح في الرؤية، أو القصور عن تحديد الغايات والأهداف، بل كانت ثورة واعية، لها رؤيتها الواضحة، وأهدافها المحددة، والتي كشف عنها مفجرها في أول بيان من بياناته المتعلقة بها، وذلك حين قال صلوات الله وسلامه عليه: (إني لم أخرج أشرا، ولا بطرا، ولا ظالما، ولا مفسدا، إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي رسول الله، وأبي أمير المؤمنين، فمن قبلني بقول الحق، فالله أولى بالحق، ومن رد عليّ أصبر هذا، أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين).

عندما نتحدث عن الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (سلام الله عليهم) لا نتحدث عن إنسان عادي عاش ثم مات، دون أن يكون له أي أثر في الحياة، وإنما نتحدث عن شخصية قدسية حلّقت في سماء المجد والعظمة، حتى وصلت إلى أسمى المراتب وأرفع المقامات، فلم يسبقها سابق، ولن يلحقها لاحق في جميع المناقب والفضائل والمآثر والمكرمات. إنها الشخصية الكبيرة التي تمثل الامتداد الطبيعي لخط النبوة والرسالة في الأرض، وهي الشخصية المعصومة التي تهدي للتي هي أقوم، كما أنها حلقة الوصل بين الأرض والسماء، وباب من أبواب الله التي منها يؤتى.

لقد كان للامام الحسين سلام الله عليه  رؤية واضحة جدا، وتشخيص دقيق لحال الأمة الإسلامية، وما منيت به من انحراف عن الحق، وحياد عن الصراط المستقيم، وميل عن الجادة السوية، وتفسخ من القيم الفاضلة والأخلاق الكريمة، وانغماس في الباطل، وإتباع للهوى، وانسياق وراء الشهوات… وأن ذلك كله بسبب يزيد وحكومته الطائشة. وبحق إن الحسين (سلام الله عليه)، مدرسة شامخة عملاقة، ضخمة كبيرة، شاسعة واسعة مترامية الأطراف، تزخر بكل أنواع العلوم النافعة، والمعارف المفيدة، في شتى الحقول وكل الميادين، وعلى جميع الأصعدة والمستويات.

ان لكل ثورة من الثورات، أو نهضة من النهضات، شعارات محددة ومميزة، وعادة ما تعكس هذه الشعارات الخلفية الفكرية والسياسية والاجتماعية لمنهج ونهج الثورة وأصحابها وكل متأمل في شعارات الإمام الحسين (سلام الله عليه)، في يوم عاشوراء، وكذلك شعارات أهل بيته وأصحابه (سلام الله عليهم)، يكتشف بوضوح أنها كانت تعبر عن قيم الحرية والإصلاح في مواجهة الاستبداد والفساد.

فالإمام الحسين (سلام الله عليه) لم يكن هدفه من ثورته ونهضته المباركة الاستيلاء على الحكم او مكاسب دنيوية، وإنما كان الهدف الحفاظ على الدين من التحريف والتزييف، بل إن الدين كله كان في خطر عظيم، ويتمثل ذلك بسعي وعاظ السلاطين إلى اختلاق الكثير من الأحاديث الموضوعة، وتحوير المفاهيم، وتشويه تعاليم الدين وأحكامه. وكذلك مقاومة الاستبداد والدكتاتورية والقهر والظلم الذي كان يمارسه الحكم الأموي ضد الأمة الإسلامية .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى