جورج جرداق… عاشق الإمامين عليّ والحسين (ع)

المراقب العراقي/ متابعة…
حين سئل الأديب الكبير الراحل جورج جرداق عن أوجه الشبه بين الحسين وعلي ولماذا اختار عليّاً ليكتب عنه ولم يختر الحسين؟ أجاب: «وجدت أن الحسين عليه السلام هو خط طبيعي لأبيه علي وأشرت الى ذلك وتحدثت عن فسق معاوية وجرمه كما عن ظلم يزيد وبطشه، وحين كتبت للتاريخ الإنساني عن حضارة علي وجدت أن فيه تقاسيم ديانات كونية وربانية فاخترته نموذجاً لنجاح الثورة الفرنسية، واخترته نموذجاً للعدالة وحقوق الإنسان، واخترته كذلك مشكاة للفلسفة والحكمة والأخلاق في علي وسقراط، وحين كتبت «علي والقومية العربية» كان رداً على من اتهموه أو اتهموني بالشعوبية، وضربت عن ذلك أمثلة كثيره مفادها أن الالتقاء مع الآخر وهو ما حدث بيني وبين علي، وما يجب أن يحدث بين الآخرين وعلي يجب ألاّ يكون ما هو معتمد على عرقية أو فئوية أو حزبية أو إيديولوجيّة ضيقة، بل إن العدالة المتوافرة في علي من عادات عربية أصيلة كحب الخير والمساعدة والنخوة والشهامة والكرم والرجولة والبطولة والفروسية والشجاعة والعدل والانصاف والثقافة والأدب والفكر والعلم والدين أي الزهد ومخافة الله وما غير ذلك أمور تدفعني في أن أتخذ من الإمام علي عليه السلام أيقونة قومية عربية أفتخر بل أتفاخر بها».
لا يجب إرخاء صفة الربوبية على شخصية علي فتذهب الى طريق مختلف ومغاير، فلقد كان علي بشراً كسائر البشر، لكنّ قدرته على الخلق، أي إنتاج حالة وعي أممية من حقوق ومساواة وإنصاف وعدل وعفو وتسامح جعلت منه إنساناً كونياً في نظر البعض، ذلك لما كانت تصنعه قريش وطغاتها في الناس من حيف وظلم وازدراء آنذاك، كان علي نموذجاً وهو يؤسس في دولته للعدالة المحمدية. أليس هو من قال إن الفقر في الوطن غربة والمال في الغربة وطن، وهو من يقول: الناس صنفان، إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق. وهذا ما ذكره جبران خليل جبران الذي تأثر بالإمام علي عليه السلام حين قال إن النبي محمد كان يشبهه بعيسى ابن مريم وهذا تشبيه ليس جسمانياً فحسب، مع يقيني أن نور علي لا يختلف عن نور الأنبياء والرسل، بل إنني أرى في التشبيه ما نطق به يسوع حين كان يتمتم بعبارات استغفار وترحم لمن يعلقون له الصليب، أمر حدث لعلي حين ضربه الكافر ابن ملجم فقال الأمير عليه السلام كلمته المشهورة آنذاك: إن عشت فأمره لي وإن مت فضربة بضربة. بعدما سوّق الغرب شرقنا والشرقيين منا على أنهم قتلة برابرة يفتك بعضهم ببعض، بل إن الناس فيهم أشبه بقطعان أغنام لهذا الحاكم أو ذاك، وكان هذا الكلام عقب الثورة الفرنسيه. إرتأيت أن أكتب شيئاً عن ذلك وطبعاً كنت قد قرأت عليّاً عليه السلام وعشته وتأثرت به فوجدته قد قام بثورات تلو الثورات ولم تكن ثوراته كالثورة الفرنسية وما حدث بها من إراقة دم ودمار. ثورة علي كانت إنسانية واجتماعية وفكرية وثقافية، وكان مفصلاً أساسياً بين جبهتين جبهة فسق وقتل وإلغاء واتجار بالبشر والعبيد وموت، وجبهة أخرى دين ورحمة وعدالة وإنسانية وحرية وحياة، فكان لزاماً عليّ أن أسلط الضوء على جبهة علي وهي الأنقى رغم أنني مؤمن بأنها هي التي أنارت لي الدرب والطريق.
حيثما تبحث عن العدالة تجد عليّاً، وأينما تنقب عن الإنسانية لا تلاقي نظيراً له. فهو النموذج الأرقى والمثل الأعلى مَن مثله في إنسانيته وعدالته وأريحيته وأبوّته وكرمه وشجاعته؟ وأين هم الخلق من علمه وأدبه وبلاغته وسعة صدره وحنانه؟ نعم… أين هم؟ وأين هو أبو الحسن؟ وأين الثرى من الثريا؟ إنه عليه الصلاة والسلام تجسيد حقيقي لكل الفضائل الإنسانية، فإنك تجده رديفاً لكل منقبة وفضيلة، ولا يسعك إلاّ أن تعتبره بمثل تلك المعاني السامية التي تشخّصت فيه، فلم تعرف البشرية له مثيلاً. تلك البشرية التي لو أنها أزالت تلك الغشاوة عن عينيها، لأدركت أنها خسرت علياً وأضاعته… ولا تزال! ولأنه شعاع للقيم ونبراس للحضارة، تجد أن العظماء يتخلّون عن رداء عظمتهم أمامه! فلا يملكون إلاّ أن يطأطئوا الرؤوس وينحنوا إجلالاً وإكباراً له.



