اراءالنسخة الرقمية

ازدواجية الخطاب في التعاطي مع الإرهاب

د. بو جمعة وعلي
بُعيد الهجوم الإرهابي الذي استهدف صحيفة «شارلي إيبدو» بباريس؛ والذي أدانه العالم من شرقه إلى غربه وبخاصة المسلمون منهم، لأنه اعتداء على الحق في الحياة، وقتل للأنفس البريئة من دون وجه حق، تداعى رؤساء العالم و وزراء حكوماتهم والتحق بهم رؤساء كثير من الدول العربية والإسلامية وعدد كبير من السياسيين والمثقفين والإعلاميين والفنانين العرب للمشاركة في مسيرة عالمية بباريس، تعبيرا عن إدانتهم الشديدة لثقافة القتل وسفك الدماء، ورفضا للإرهاب الذي وصفوه تعسفا بـ «الإسلامي» برغم أنهم يدركون أن الإسلام بريء من الفعل وصاحبه بنصوص القرآن والسنة وأفعال الصحابة والإجماع.
لقد كان الإجماع الدولي على رفض الإرهاب أمرا محمودا، لأن قتل الأبرياء جريمة إنسانية تجرّمها كل الديانات والشرائع والقوانين والنظم البشرية، أيا كان فاعله وأياً كانوا ضحاياه دون تحيّز أو تسييس أو عنصرية.
لكن مع مرور الأيام وتعدد العمليات الإرهابية في مختلف دول العالم، بدا للعيان أن الساسة والإعلام الغربيين لا يتعاملون بنفس الوضوح والصرامة مع بعض الأحداث الإرهابية خصوصا إذا كانت البلاد التي تقع فيها عربية أو إسلامية أو كانوا الضحايا مسلمين أو كان الفاعل مسيحيا أو يهوديا أو لا دينيا، حيث كانت معظم وسائل الإعلام الغربية تستبق الأحداث وتعلن أن الفاعل إما «مختل عقليا» أو «يعاني من مشاكل نفسية واجتماعية»، بل إن بعضها كان يصف الأحداث بـ»الفردية» أو «المعزولة» وفي أجرأ الحالات بـ «الإجرامية»، تهرباً من وصفها بالإرهابية، لأن العمل الإرهابي في نظر معظم السياسيين و وسائل الإعلام الغربية اختصاص حصري على المحسوبين على الإسلام والمسلمين بأي شكل من الأشكال ولو من جهة البلد الأصلي أو الاسم أو اللغة أو اللون.
قبل أيام قليلة أقدم مواطن أسترالي الجنسية على تنفيذ هجوم إرهابي مدبر بعناية فائقة على مسجدين قبيل صلاة الجمعة، أسفر حسب آخر المعطيات عن استشهاد ما لا يقل عن واحد وخمسين مصليا وجرح العشرات بعضهم في وضعية حرجة، غير أن المجرم هذه المرة فوّت على السياسيين والإعلام الغربي المعادي للإسلام والمسلمين وصفه بـ «المختل العقلي» أو الذي يعاني من «المشاكل النفسية» أو «العقد الاجتماعية»، لكونه وثّق لكل مراحل الهجوم وأصدر بيانا صريحا و واضحا يعلن فيه عداءه العقدي والحضاري والتاريخي للإسلام والمسلمين، بل إنه خط على رشاشه أسماء شخصيات ومعارك وتواريخ لها علاقة بتاريخ الحروب الصليبية وخاصة تلك التي خاضتها الجيوش الأوروبية المسيحية ضد الإمبراطورية العثمانية، وقيل بأنه كان يحمل شعار «قادمون إلى إسطنبول» مما يدل على أن منفذ الهجوم الإرهابي ينتمي إلى تنظيم صليبي متطرّف وعنصري وليس فرداً كما يسعى البعض إلى إظهاره.
إن هذا العمل الإرهابي برغم بشاعته، لم ينل من الإدانة والرفض من قبل الرؤساء السياسيين والإعلام الغربي الذي يشهد له الكثير بالحرية والمصداقية مقارنة منع نظيره العربي، ما لقيته أحداث إرهابية سابقة، لسبب بسيط في نظرنا هو أن الضحايا مسلمون والجاني مسيحي متطرّف، كما أن وصف الهجوم برغم همجيته لم يرق إلى الأوصاف التي نعتت بها اعتداءات باريس ولندن وبروكسيل…حيث تحقق الإجماع على تسميتها بـ»الإرهابية» – وهي كذلك- بينما تم تحاشي وصف ما جرى بنيوزيلندا بـ»العملية الإرهابية» حيث اكتفى الكثير بوصفه بـ»المسلح» أو «الإجرامي» أو «المروّع».
فالدم المسلم كما يبدو من خلال معظم ردود الأفعال الرسمية الغربية، أرخص من الحبر الذي يكتبون به بياناتهم، حيث جاء حديث البعض منهم عاما وملتبسا في وصف ما جرى، بينما دعا البعض إلى تجاوز الحدث والتركيز على «الإرهاب الإسلامي» كما صرّح بذلك وزير الداخلية الإيطالي.
إن الحادث الإرهابي الذي وقع بمسجدي نيوزيلندا وراح ضحيته اكثر من خمسين مسلما لاجئا من جنسيات مختلفة، يؤكد بالملموس ازدواجية الخطاب السياسي الرسمي الغربي اتجاه الاعتداءات المنظمة ضد المدنيين العزل من جهة، كما يبين الوجه القبيح لبعض وسائل الإعلام الغربية، ذلك الوجه الذي يلبس الإسلام والمسلمين كل أعمال العنف الفردية التي ترتكب في كل بقاع العالم والتي يكون ضحيتها مواطنون غربيون وتصفها بـ»الإرهابية» حتى قبل أن تظهر التحقيقات الأولية لأجهزة المخابرات والأمن والقضاء، بينما تتحاشى وصف الأعمال المسلحة والمنظمة التي يكون ضحاياها مسلمين بـ»الإرهابية» برغم اعتراف الأجهزة المخابراتية والأمنية للدول التي تحصل فيها بطابعها «الإرهابي».
لنتوجه في الأخير بالسؤال إلى الذين سارعوا إلى باريس للمشاركة في المسيرة العالمية لرفض الإرهاب والتطرف- الذي ألصقوه بالإسلام والمسلمين قسرا- ورفع شعارات «أنا شارلي» و «كلنا شارلي إيبدو»، ألا تستحق الأرواح البريئة التي أزهقت بدم بارد داخل «المسجدين» أن تشعلوا الشموع من أجلها وترفعوا شعارات مشابهة للتي رفعتموها في ساحات باريس وبروكسيل ولندن، مثل: «أنا مسجد النور» و»كلنا نيوزيلندا» أم أن الدم الغربي المسيحي واليهودي أغلى من الدم المسلم ؟.
وختاماً نؤكد أن سفك الدماء البريئة له اسم واحد هو «الإرهاب» أياً كان فاعله وأياً كانوا ضحاياه، سواء حدث ذلك في مسجد أو ملعب أو كنيسة أو حفل أو ساحة عامة … دون أن نخلط «الإرهاب» بـ»مقاومة المحتل»؛ التي تستمد شرعيتها من القوانين الإلهية والبشرية على مدى التاريخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى