اراءالنسخة الرقمية

التعاون بين العراق والأردن … وجهة نظر اقتصادية

الجزء الثاني

صالح الهماشي
وعند البحث في تفاصيل الاتفاقيات والتفاهمات الاقتصادية بين البلدين ومناقشة تفاصيلها يمكن الخلوص الى اربعة محاور رئيسة :-
1. المحور الأول هو اعفاء 371 مادة مصنعة داخل الأردن ودخولها للأسواق العراقية دون تعرفة جمركية، والأصوات العديدة التي نوهت الى دور الاستيراد المفرط في تراجع ما تبقى من الصناعة الوطنية، والتي تنتظر منذ مدة ليست بالقصيرة توفير الحماية لها، ولا شك ان استمرار دخول المزيد من البضائع المستوردة تجعل من قيام صناعة أو زراعة وطنية أمراً صعباً، حتى مع وجود التزام من قبل الحكومة الأردنية بمنح أفضليّة للمنتج العراقي للدخول للأردنّ في المواسم التي يشحّ فيها إنتاج الأردن لهذه السلع ، فالجميع يعلم ان حال الصناعة في العراق لا يؤهله بتصدير ولو حتى إبرة الخياطة بسبب ترنح الواقع الصناعي والزراعي في العراق على إثر غزو المنتج الأجنبي للسوق العراقية هذا هو الداء الذي لم نجد له دواء.
وقد يكون من المناسب في هذا الباب الإشارة الى ان الواقع والمعطيات الحقيقية تشير الى ان قيمة التبادل التجاري مع الاردن في أفضل أحواله وصل الى ٦٠٠ مليون دولار مقارنة مع حجم التبادل التجاري الكلي للعراق الذي يبلغ نحو ٥٥ مليار دولار (وفي بعض السنوات تجاوز هذا الرقم بكثير) وبنفس البضائع المدرجة على قائمة الاعفاء مع الجانب الاردني أي ما نسبته ٠٫٩٢٪ من أقل من واحد بالمائة لا تشكل تأثيرا كبيرا على النشاط الاقتصادي في الداخل بنسبة للمتخوفين. مع ملاحظة ان قيمة التبادلات التجارية بين العراق والصين تجاوزت 16 مليار دولار ومع تركيا تجاوزت 12 مليار دولار ومع ايران تجاوزت 9 مليارات دولار والعراق يستورد من هذه الدول ما يمكن ان يستورده من الاردن ودون هذه الضجة الكبرى.
2. المحور الثاني يمثل امكانية الاستفادة من الاتفاق على إنشاء منطقة صناعية مشتركة على الحدود العراقية الاردنية والتي يمكن ان تكون تجربة رائدة على الحكومة استغلالها وتعميقها من خلال نسخ تجربة مدينة الزرقاء الصناعية الأردنية ونقلها للعراق وعدم السماح للجانب الاردني باحتكار العمالة أو الخبرة الميدانية ونقلها للجانب العراقي الذي يفتقر الى تجربة المدن الصناعية ولا تزال لغاية الان الاحياء الصناعية تغزوا مدنه وبصورة تكاد تكون عشوائية وغير منظمة بما تحمله من فوضى وتلوث بيئي واختناقات وزحامات مرورية في الشوارع العامة نتيجة الأداء الصناعي لهذه الاحياء مع ملاحظة صعوبة إيصال الدعم الحكومي من خطوط كهرباء صناعية وأنواع مختلفة من المياه الصناعية وطرق نقل وتوفير المواد الخام وغيرها من اشكال الدعم الذي تكون الدولة هي المسؤولة عنه .
3. المحور الثالث هو الاتفاق على مد أنبوب تصدير نفطي من البصرة الى ميناء العقبة لتوسيع الصادرات النفطية العراقية بإضافة مليون برميل يومياً والذي يمكن العراق من رفع حجم صادراته النفطية الى قرابة 5 ملايين برميل يومياً، وهذا رقم يمكن ان يوفر الكثير من الإيرادات العامة وخصوصاً ان النفط يشكل أكثر من 95‎%‎ من الصادرات العراقية وان ايراداته تشكل قرابة 90‎%‎ قيمة الموازنة العمومية للبلاد ، ومن جهة ثانية فان هذا الانبوب يمثل منفذ اضافياً يمكن للعراق استثماره، ‎فالعراق يمتلك حاليا خطوط أنابيب موزعة على ميناء البصرة شمالي الخليج بطاقة تزيد على مليوني برميل وخط أنابيب عبر الأراضي التركية بطاقة تراوح بين أربعمائة وخمسمائة ألف برميل في اليوم وهذا قد لا يكون كافياً مع إمكانية العراق النفطية التي من الممكن ان تصل الى 12 مليون برميل اذا ما أحسنت الحكومة الحالية والحكومات القادمة استغلال هذا الملف، مع ملاحظة ان منافذ التصدير الحالية قد لا تستوعب الطاقات الإنتاجية المتزايدة وبالتالي فإن الحاجة إلى بناء منافذ جديدة وبطاقات عالية أصبح أمراً ضرورياً.
4. المحور الرابع هو تزويد الجانب الاردني بـ 10 آلاف برميل يومياً من نفط خام كركوك وهذا الدعم على الرغم من كونه لا يشكل رقما كبيرا بالنسبة للعراق لان مجموع ما يصدره العراق للمملكة في سنة لا يمثل سوى صادرات يوم واحد فقط من النفط العراقي للعالم ولكنه في نفس الوقت يمكن ان يؤمن 7‎%‎ من احتياجات المملكة حسب ما صرحت به وزيرة الطاقة والثروة المعدنية الاردنية وبسعر تفضيلي، وهذا الجانب تحديداً هو صورة من صور التفاهمات السياسية بين البلدين والذي يحمل الصبغة السياسية بعيداً عن الجوانب الاقتصادية، فالعراق بهذا الاتفاق يقوم بدعم كبير للأردن في ازمة الطاقة التي يعاني منها منذ فترة ليست بالقصيرة والتي كانت السبب المباشر في الاطاحة بحكومة الملقي وتكليف عمر الرزاز بعد تظاهرات واسعة على اثر زيادة أسعار الوقود والمحروقات، ولا شك ان للحكومة الحق في إقامة العلاقات الاستراتيجية ودعم موقفها السياسي مع دول العالم عموماً ودول الجوار خصوصاً، ولكن المتابع لاتجاهات المواقف السياسية للأردن لا يسجل وجود موقف متميز له في دعم العراق في حربه مع الإرهاب، كما ان أرضه تضم العديد من القيادات السياسية المعارضة لمجمل العملية السياسية في العراق، ومازالت المؤتمرات والفعاليات التي تمجد النظام السابق مستمرة على أرضه من دون ان يكون لها رادع من قبل الحكومة الأردنية، فضلا عن وجود ديون أردنية على العراق تبلغ أكثر من مليار دولار و ودائع عراقية من زمن النظام السابق في عمان تحفظ عليها البنك المركزي وتقدر بنحو 3 مليارات دولار، وكان من الممكن للحكومة العراقية ان تستغل قضية تزويد الأردن بالنفط للضغط باتجاه حل هذه الأمور العالقة ولصالح العراق أو على الأقل الإعلان عن ما يطمئن الشارع العراقي بهذا الخصوص. وفي الختام فان الاتفاقية العراقية بين العراق والأردن تضم في طياتها بنوداً متعددة تحمل العديد من النقاط الإيجابية التي يمكن الاستفادة منها سياسياً واقتصادياً وتصب في الصالح العام، بالإضافة الى بعض النقاط التي من الممكن ان تشكل عناصر ضغط على الاقتصاد العراقي والصناعة الوطنية من الممكن تجنبها أو العمل على تقليل تأثيرها السلبي، ولكن بصورة عامة يمكن ان تكون هذه الاتفاقية منطلقاً لإقامة علاقات صناعية جديدة من خلال خوض تجربة المدن الاقتصادية، وتفتح أكثر من منفذ وطريق للتجارة العراقية مع العالم الخارجي، مع ضرورة التعامل معها بواقعية والعمل على تطويرها وتجاوز نقاطها السلبية مستقبلاً وخصوصاً مع وجود نص يخول مراجعة بعض بنودها كل ستة أشهر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى