النسخة الرقمية

رحم الله من ربّى ابناءه على بره ..التفرقة بين الابناء .. دمار للذات و انهيار للمؤسسة المجتمعية

تحقيق- رغد دحام

كثيراً من الابناء ينتهجون سلوكا خاطئا في تعاملهم مع ابنائهم، فيعمد البعض الى التفرقة بين الذكور والإناث من جانب والكبار والصغار من جانب اخر من دون ان يلتفتوا الى خطورة هذا الأمر ومدى تأثيره في شخصياتهم ونفسياتهم وطريقة تعاملهم مع اقرانهم.
يعد التمييز بين الأبناء ذكورًا أو إناثًا إهانة بشكل غير مباشر، بل ودون دراية أيضًا، وفيه يلجأ الأب والأم أحياناً إلى تمييز طفل من أبنائهم عن الآخر نتيجة لصغر سنه أو حاجته للعناية بصورة أكبر أو لأنه أكبر الأبناء، مما يثير ذلك غضب وغيرة باقي الأخوة.
وتقول الباحثة والقانونية رانيا المكصوصي: «للتفريق بين الانباء آثار سلبية تكاد تكون فتاكة على الأسرة وان كانت غير ملموسة بشكل مباشر، حيث ان تحسس الابناء فيما بينهم قد لا يبدو ظاهرا الأمر الذي ينعكس سلباً على شعورهم بالانتماء الى العائلة والتضامن معها».
ولفتت: على الاباء مراعاة طريقة التعامل والأسلوب المعتمد مع ابنائهم، للحيلولة دون اثارة الحساسية وشعور احد الابناء بأنه لم يحظَ بنفس الاهتمام الممنوح لاخوته؛ مؤكدا: ذلك سينعكس على الأسرة وعلى المجتمع بشكل عام حيث ان الطفل سيبقى يعاني من آثار نفسية تظهر على أسلوبه وطريقة تعامله مع اقرانه والآخرين.
إن المساواة يجب أن تكون في كل شيء الطعام، توزيع الكلام، وكذلك في الانتباه والاهتمام وتوزيع النظرات والضحك والمداعبات، كل هذا بقدر الإمكان. كما أن التمييز بين الأبناء يظهر بأشكال متعددة ومتنوعة، منقسمة إلى نواحٍ عدة وهي:-
الناحية المادية، ونجد فيها أحد الوالدين أو كلاهما يميّز بين الأبناء في الملبس والمأكل أو المصروف الشخصي أو بتوفير الألعاب له دون غيره، وتلبية رغباته.
وذكر الاكاديمي يوسف الحسيني، ان التفرقة لها جملة من النواحي ، فالناحية المعنوية أو العاطفية نجد الاختلاف في الاهتمام بالأبناء ومداعبتهم والعطف والحنان عليهم، بل حتى في تقبيلهم، فإعلان المحبة للأبناء دون تمييز هي ترجمة لحب وحنان الوالدين ومحاولة منهم للوصول إلى أعلى درجات المساواة، فإن لم ينجحوا في ترجمتها وتجسيدها على أرض الواقع عبر التصرفات الفعلية فإن ذلك سيفضح ما قد يخفيه الأب والأم على حد سواء.
وتابع: «الناحية التربوية قد يلجأ الآباء إلى التمييز حتى في ضبط أبنائهم وتأديبهم, فقد يتعرّض أحد الأبناء للعقاب البدني جراء خطأ بسيط ارتكبه، بينما يتم التسامح مع الطفل المحبوب على الرغم من الذنب الذي قام به، وتبدأ حملة الدفاع عنه وتبرير تصرفه والتظاهر بعقابه أحيانًا، وان التفرقة في المعاملة على أساس الشكل، تظهر أسوأ أنواع التفرقة بين الأبناء عند تفضيل أحد الأطفال بسبب شكله، وتمتعه بملامح تفوق إخوته وسامة أو التحقير منه، وتتركز أكثر حالات التفرقة في المعاملة على أساس الشكل عند الأطفال الأكثر جمالًا أو الأطفال ذوو الوزن الزائد، الفتيات الأقل جمالًا، تفضيل الابن الذي يشبه أحد الوالدين أو التمييز ضد الابن الذي يشبه أحد الوالدين.
من جانبها، أكدت هبة البياتي مديرة روضة وحضانة الوزيرية الاهلية انه «عندما يكون أحد الأطفال أذكى من الآخرين أو أقوى أو أفضل في تحصيله الدراسي، يجد الأبوان نفسيهما يميلان إليه أكثر، ويتفاخران به وسط الأصدقاء والمعارف، وقد يحدث هذا بحسن نية، أو لإثارة غيرة باقي الأبناء وتحفيزهم على تطوير أنفسهم، لكن النتيجة في جميع الأحوال مأساوية»، لافتة الى ان المقارنة تولِّد بين الأبناء حسدًا شديدًا في نفوس الإخوة المنبوذين نحو أخيهم المفضل، وقد يتمنون أن يصاب بمكروه ليستردوا الحب الخالص وغير المشروط لأبويهم، وقد يعمدون إلى ضربه أو إيذائه أو مضايقته انتقامًا منه.
وأضافت: من ناحية أخرى يلقي هذا التفضيل عبئًا ثقيلًا على الابن المميز ليظل عند قدر توقعات والديه، ولا يخذلهم إذا انخفض مستواه في إرضائهم، بجانب معاناته من الابتعاد عن إخوته، ومشاعرهم السلبية نحوه.
أما التفرقة في المعاملة على أساس الجنس قالت البياتي: «يرتبط هذا النوع من التفرقة بثقافتنا أكثر من سواها، فأكثر الأسر العربية تبدأ التفرقة في المعاملة بين الولد والبنت منذ الصغر، فالولد لا يغسل ولا يطبخ ولا ينظف، ولا يساعد في الأعمال المنزلية «لأنه رجل»، وحين يكبر تتاح له فرص أكبر وأفضل للتعليم، فيما تُحاصر الفتاة في مسؤوليات المنزل وإدارته، ودرجة متوسطة من التعليم لأن مصيرها البيت والزواج».
ويمكن القول، إن أكثر مشكلات مجتمعاتنا العربية نابعة في الأصل من التفرقة في المعاملة بين الأطفال على أساس الجنس في المنزل، إذ تتحول الذكورة في عيني الطفل إلى «امتياز» يجعله يحظى بالتدليل على حساب أخواته، وتصبح مشاركته في الأعمال المنزلية بمثابة إهانة، فيشب متسلطًا فوضويًّا، يلقي بمسؤولياته على الآخرين ويحملهم واجب رعايته على حساب أنفسهم، ويا لسوء حظ شريكة حياته المستقبلية.
التفرقة ضد الفتيات في المنزل تنعكس بالسلب على نفسياتهن، وترسخ فيهن شعورا عميقًا بالظلم، وكراهية الأخ الذي سلبها كل شيء، فضلًا عن استهلاك طاقتهن في أعمال شاقة، وتحميلهن مسؤوليات ثقيلة لا علاقة لهن بها، والتضييق عليهن في تلقي التعليم، أو حرمانهن منه لصالح «الولد»، لتنشأ مقهورة دون أن تدرك كونها كذلك، وتعد جيلًا جديدًا من المتسلطين والمقهورات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى