منبر الهداية … حضارة صدر الإسلام وتأسيس الحضارة الإسلاميّة
إنّ الاحتفاء بالنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ليس مجرّد تشريفات. مع أنّ مثل هذه الاحتفاءات بين الشعوب المسلمة غنيمة، بل هي لازمة. ولكنّ المسألة أعمق من ذلك. والعالم الإسلاميّ – خاصّةً اليوم- أكثر حاجةً من أيّ يومٍ مضى، إلى إحياء ذكرى نبيّ الإسلام العظيم صلى الله عليه وآله وسلم، كما أنّ البشريّة بحاجة إلى هذا الاسم المبارك، والذكرى المباركة والتعاليم المباركة, لكن قبل أن نطلب إلى البشريّة كافّة أن تقوم بهذا الأمر، على العالم الإسلاميّ أن يتعرّف من جديد إلى رأسماله المعنويّ العظيم, لا أن يكون كالشعوب التي نامت جائعةً، على ثرواتها الماديّة غير المعروفة لديها إلى أن جاء الآخرون ونهبوها. يعاني العالم الإسلاميّ اليوم، إلى جانب ذخائره المعنويّة العظيمة، مشاكل كثيرة ويمضي, في حال أنّ هذه الذخائر العظيمة والثروات الكبيرة يمكن أن تخلّصه، وتمدّه بالعون..ففي صدر الإسلام، استطاع رسول الإسلام المكرّم وصحابته وخلفاؤه العظام بالاعتماد على الله أن يؤسّسوا حضارةً تاريخيّةً عظيمةً. لقد كانوا أيضا، في مقابل القوى العظمى في زمانهم، قلّة في الظاهر, لكنّ الإيمان أمدّهم بالقوّة، فاستطاعوا تحقيق عظمة في التاريخ امتدّت قرونًا, لِمَ لا يمكننا نحن ذلك؟!﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ , شرط الإيمان(فلا بدّ من توفّر هذا الشرط)لقد أسّس النبيّ في زمانه وفي مدّة قصيرة ـ في ظرف عشر سنوات ـ بنيان حضارةٍ عظيمة. هنا تتّضح عظمة النبيّ. انظروا، لقد مضى اثنا وعشرون عاما على ثورتنا, لكنّنا (لم ننطلق في العقد الأوّل) منها, هذه هي عظمة النبيّ, وهذه هي قدرة النبوّة. لقد صنع الناس بنحو واستخدمهم بنحو أمكنه أن يصنع بتلك العدّة القليلة ـ حيث كانت دولته بادئ الأمر مدينة واحدة تضمّ، عدّة آلاف من الأفراد، أساسا بنيت فوقه حضارة عظيمة. القرن الرابع الهجري، أي: القرنين العاشر والحادي عشر الميلادي هو عمق القرون الوسطى في أوروبا, ظلامٌ مطبق. في هذا القرن تُشكّل الحكومة الإسلاميّة والحضارة الإسلاميّة التي ظهر فيها كثيرون أمثال ابن سينا، وأمثال الفارابي، والخوارزميّ، وسائر الشخصيّات العظيمة الأخرى، وظهرت فيه حكومات عظيمة وقوىً سياسيّة كبرى في العالم, والتي، بالطبع، ابتُلي معظمها، للأسف، بالفساد والانحراف, وحينها كانت النتيجة أنّها تراجعت فورًا.



