العلاقة مع الله .. التوبةُ والاستغفار

حينما يقع المرء في فخّ الذنب والمعصية بفعل الغفلة والجهل أو بعد تمرّد الغرائز الحيوانيّة والأهواء النفسانيّة، فلا بدّ له من عرض نفسه سريعاً على الرّحمة الإلهيّة، والتوبة بين يدي الخالق، وغسل القلب والنفس بماء التوبة والاستغفار؛ لأنّ التساهل في هذا الأمر، والتسويف والمماطلة في التوبة، معصية أخرى ودليل على مزيد من التمرّد..نستشفّ من القرآن الكريم أنّ التوبة تُقبَل بشرطين:أن تكون المعصية قد وقعت بفعل الجهل لا بدافع الكفر والتمرّد. الثاني: شعور العاصي بالندم في أعقاب اقتراف المعصية وإسراعه نحو قرع باب التوبة..قال الله تعالى في ذلك: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾(النساء: 17-18).أولئك الذين لا يشعرون بالندم ويماطلون في التوبة، بانتظارهم عاقبة سيّئة. عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: «كان أبي عليه السلام يقول: ما من شيءٍ أفسَد للقلبِ من خطيئةٍ. إنّ القلبَ ليواقِعُ الخطيئةَ فما تزالُ بهِ حتى تغلِبَ عليه فتُصيِّرَ أعلاهُ أسفلَهُ»..أي إنّ القلب الذي يتّجه بطبيعته نحو الله تعالى، يتغيَّر شكله ويأخذ طابعاً أرضيّاً، فلا تؤثر عليه كلمة الحقّ ولا تجد الموعظة أيّ صدىً لها فيه. وهذا هو عين ذلك الطريق الذي قال الله تعالى إنّه ينتهي إلى الكفر والتكذيب بآيات الله والاستهزاء بالحقائق السماويّة:﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون﴾ (الروم: 10)..فليقِ اللهُ الإنسانَ من الوصول إلى تلك المرحلة التي يُختَم فيها على قلبه وسمعه، وتُغشّى عينه بغشاء الظلام والضلال فيُصبح مصداق الآية الكريمة: ﴿خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ (البقرة: 7)..إذاً، وبعد اتّضاح أخطار المعاصي وأضرارها من خلال هذا الاستعراض السريع للآيات القرآنيّة والأحاديث، مِنَ الأجدر بالإنسان العاقل الإسراع لإزالة آثارها القبيحة من لوحة قلبه؛ لأنَّ التردّد في ذلك من أعمال السفهاء وغير العقلاء؛ إذ إنّ المعصيةَ سمٌّ زُعاف (قاتل) إن لم ينبرِ المرء للتخلّص منه على وجه السرعة، فلن يُبقي أمامه طريقاً للنجاة،ألسنا نعلم أنَّ الموت يأتي فجأة وبلا إذن، ولا يسمح لنا حتّى بفرصة التقاط الأنفاس، أو كما يقول القرآن الكريم: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ (يس: 50). وحينئذٍ يقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنعام: 27)؟ولكن ما فائدة ليت ولعلّ بعد فوات الأوان، وتعذّر تحقّق مثل هذا الطموح بعد وقوع الخذلان؟ حذارِ ثمّ حذارِ أن نقول يوماً: «وقد أفنيتُ بالتسويفِ والآمالِ عُمري».
إذاً، لا تنسوا الاستغفار! فالاستغفار جلاءٌ للقلوب. اذكروا الله مع الاستغفار في كلّ حين، في وقت الصلاة والتعقيبات، وفي غيرها من الأوقات، بل انطلقوا مع الاستغفار إلى فراش النوم؛ لأنّكم قد لا تستيقظون من النوم قط. ورد في سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنّه كان يستغفر الله في اليوم سبعين مرّة، وقيل: إنّه كان يستغفر في كلّ جلوس خمساً وعشرين مرّة،فالاستغفار دواء الذنوب كما ورد في الحديث: «لكلِّ داءٍ دواءٌ، ودواءُ الذنوبِ الاستغفار».وعلينا أن نعلم أنّ أفضل أوقات الاستغفار والتوبة هي أوقات السحر، وهي الأوقات التي تُغلق فيها كلّ الأبواب وتغمض فيها كلّ العيون، إلّا أبواب الرحمة الإلهيّة، فإنّها مفتَّحة بوجه العباد ولا توصد في أيّ وقت؛ ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَار﴾ (آل عمران: 17). ووصفهم تعالى في موضعٍ آخر: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الذاريات: 17-18). وقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيهم: «ما مِن قطرةٍ أحَبُّ إلى الله من قطرَةِ دمعٍ خرجت مِن خشيَةِ الله ومِن قطرَةِ دمٍ سُفكت في سبيل الله، وما مِن عبدٍ بَكى من خشيةِ الله إلّا سقاهُ الله من رحيقِ رحمتِهِ، وأبدَلهُ الله ضِحكاً وسُروراً في الجنّةِ، ورحِمَ الله من حولَهُ ولو كانوا عشرينَ ألفاً، وما اغرورقَت عينٌ في خشيَةِ الله إلّا حرَّمَ الله جسدَهُ على النارِ، وإنْ أصابَ وجهَهُ لم يُرهِقهُ قترٌ ولا ذِلَّةٌ، ولو بكى عبدٌ في أُمّةٍ لنجّى الله تلك الأُمَّةَ ببُكائِهِ»..وصفوة الكلام هي أنّه يمكن معرفة الأمراض الباطنية والأسقام القلبية، وأسباب الإشاحة عن الله، كي يتسنّى بعد ذلك التفكير في علاجها، وإصلاح النفس.



