التربية الأخلاقية للطفل في عصرنا الحاضر
قال الإمام زين العابدين عليه السلام: «وأمّا حقّ ولدك، فأنْ تعلم أنّه منك، ومضافٌ إليك في عاجل الدنيا بخيره وشرّه، وأنّك مسؤول عمّا وُلِّيته من حُسن الأدب»..فلو توجّهنا بالسؤال إلى أيّ أبٍ أو أمّ: كيف يمكن أن يحقّق لكما طفلكما السعادة؟ لأجابا: بأن يكون إنساناً صالحاً على قدر آمالنا وأحلامنا. وبعبارة عرفيّة: أنْ يرفع رؤوسنا بين الناس. نعم، إنّ «الولد الصالح ريحانة من رياحين الجنة»، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد ركّزت الروايات كثيراً على هذا المصطلح: «الولد الصالح»..ولو طرحنا سؤالاً آخر: متى تشعران بالشَّين والعار من ولدكما؟ لأجابا: إذا كان سيّئ الخُلُق. وقد عبّرت عنه الروايات بـ»ولد السّوء»وعن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: «ولد السوء يهدم الشرف، ويشين السلف»فمن أهمّ جوانب صلاح شخصيّة الطفل هو البُعد الأخلاقيّ والقيميّ الذي لا يتكوّن إيجاباً أو سلباً في حياة الطفل بشكل تلقائيّ. فسلوك الطفل غير المرغوب فيه مثلاً ليس فطريّاً بأصل الخلقة، بل هو مكتسب، يتعلّمه من خلال التواصل مع البيئة الأسريّة والاحتكاك بها والمحاكاة لوالديه قولاً وعملاً..وعن أمير المؤمنين لولده الحسن عليهما السلام: «إنّما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما أُلقي فيها من شيء قبلته، فبادرتُك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبُّك»..فمن أهمّ عناصر صلاح الأطفال مبادرة الأهل إلى القيام بمسؤوليّاتهم التربويّة تجاههم؛ بتهذيب أخلاقهم وعدم إهمالهم أو إلقاء مسؤوليّة تربيتهم على عاتق الآخرين. فهم المسؤولون عن اختيار المدرسة المناسبة والأصدقاء اللائقين والجمعيّة الكشفية الملائمة؛ لتكون بيئاتٍ حاضنةً للنموّ الأخلاقيّ الصالح لأبنائهم..فمثلاً، من المهمّ جدّاً الالتفات إلى أنّه عند المقايسة والمقارنة بين مدرسة يكون مستواها العلميّ مرتفعاً، ولكن فيها أجواء فساد أخلاقيّ، وبين مدرسة مستواها العلميّ متوسط وفيها أجواء أخلاقيّة دينيّة، أن لا نستهين بالبُعد الأخلاقيّ في شخصيّة أطفالنا لحساب البُعد العلميّ..فتتأكّد أهميّة تربية الطفل أخلاقيّاً في عصرنا الحاضر بسبب الأزمة الأخلاقيّة العالميّة، من الحرب الناعمة على القِيَم، فكانت النتيجة الفصل بين التعليم والأخلاق، وهذا التهديد جعل القائد الخامنئي دام ظله ينبّه إلى أنّ من أهمّ الأهداف الاستراتيجيّة للمؤسّسات التعليميّة تعليم الأطفال الأخلاق. والمقصود بتعليم الأخلاق صيرورةُ التلميذ أخلاقيّاً من خلال مضمون المتون، وأساليب التدريس، وأنماط سلوك الأستاذ مع الطلّاب، وطبيعة الإجراءات الإداريّة..وأهمّ مرتكز في التربية الأخلاقيّة للطفل، بناءُ المحتوى القيَمي الداخلي له، بمعنى أن يكون السلوك أخلاقيّاً في الظاهر والباطن، فإنّ من الأزمات التربويّة التي تواجه بعض المربّين في عمليّة التربية الأخلاقيّة للطفل هي أن يقوم المربّي بتأديبه على سلوك ما جوارحيّاً من دون أن ينظر إلى شحن القوّة الداخليّة، مع أنّ الفعل إنّما يكون أخلاقيّاً فيما لو انطلق من المحتوى الداخليّ للإنسان. فلو صدر عن الطفل سلوك القيام للأستاذ أو تقبيل يد جدّه أو طأطأة رأسه أمام جاره، فإنّ هذا في حقيقته لو جرّد عن الدافع النفسيّ لا يعتبر احتراماً، فيما لو كان الطفل يعيش حالة النفور والاشمئزاز من ذلك الشخص في داخله،نعم، لا شكّ في أنّ عمليّة صناعة المحتوى القيمي للطفل تبدأ من السلوك الظاهريّ؛ لأنّ بناء الباطن يبدأ من الظاهر. والروايات تتحدّث عن التلازم التوليديّ العاديّ بين التحلّم (السلوك الظاهريّ) والحلم (التحول الباطنيّ). عن الإمام علي عليه السلام أنّه قال: «من تحلّم حلم». وفي رواية أخرى يقول عليه السلام: «إنْ لم تكن حليماً فتحلَّم، فإنّه قلَّ من تشبّه بقوم إلّا أوشك أن يكون منهم»..وممّا يؤسَف له، أنّنا في هذا السياق، نشاهد بعض الأهل بمجرّد أن يُصدروا أمراً للطفل باتّباع سلوك معيّن أو ينهونه عن سلوكٍ ما، يظنّون أنّه ينبغي تلقائياً أن يفعل المأمور به أو يترك المنهي عنه، وكأنّ الطفل برنامج حاسوبيّ يتحرّك في ضوء لوحة المفاتيح بزرّ «أدخل». كما أنّ بعض الأهل يشعر بالإحباط واليأس من محاولة تأديب الطفل على سلوك أخلاقيّ معيّن لمرّتين أو ثلاث مرّات، فلا يعيد الكرّة، ونسمع منه عبارات مثل: إنّ ابني عنيد. لذا يحتاج الأهل إلى تدريب الطفل وتمرينه على المواظبة على فعل ما وتَكراره بنحو مستمر، حتى يؤدّي ذلك التَكرار الكمّيّ إلى إيجاد التحوّلات في المحتوى الداخليّ الأخلاقيّ للطفل كي تصبح صفة راسخة في نفسه فيصدر عنها السلوك بسهولة ودون تكلّف. وهذا ما يصطلح عليه علماء الأخلاق اسم «الملَكَة الأخلاقية».



