حصان ماري

سرور العلي
اخترقت اشعة الشمس زجاج نوافذ الغرف الكثيرة التي كانت مشرعة وكأنها تهم باحتضان تلك الأشعة. تنهض ماري وتفرك بقايا النعاس الجاثم بعينيها. من الحجرة الملاصقة لحجرتها يأتي صوت الأم واضحاً: هيا يا ماري. تعالي يا حبيبتي سنذهب عصر اليوم إلى المزرعة.
طارت ماري فرحاً وأخذت تقفز فوق سريرها. في المرآة المثبتة على خزانة خشبية من الخيزران قبالة سريرها بان الوجه الملائكي الصغير تزينه جدائل ملتوية شقراء وعينان خضراوان كبيرتان، وراحت ضاحكة تتابع القفز والتصفيق، فرحة جدا بخبر ذهابهم إلى المزرعة، وهو مكانها المفضل الذي تنتظر قدوم العطلة يوماً بعد يوم للذهاب إليه، ولا بد من أن هناك شيئاً ما يجعلها تنجذب وتسر لدى سماعها كلمة مزرعة، ألا وهو احتواؤها على «لوثر» حصانها الرائع، الذي أهداه لها والداها في عيد ميلادها العاشر.
تناولت فطورها بسرعة وخرجت من المنزل لتخبر بقية الصبية عن خبر ذهابهم. اعتاد رفاقها على سماع مغامراتها مع الحصان، فكانوا متشوقين للذهاب لرؤيته، بل أن أحدهم ركض إلى منزله صارخاً وهو يقرع الباب يطلب من أبيه أن يأتيه بمثل حصان ماري. فكانت ماري محط أنظار الجميع.
عصراً كانت ماري مستعدة للرحلة مع والدتها، حيث سيغيب والدها عن الذهاب معهم بسبب عمله في بلدة أخرى. كانت العربة بانتظارهن، يقودها الحوذي الذي يعمل لديهم منذ عشر سنوات، والذي أضحى رجلاً عجوزاً. مد يده لماري التي ترتدي ثوبا أخضر قصيراً بلون عينيها، وجلست في المقعد الخلفي بانتظار والدتها. كان الهواء معبقاً بشذى الأزهار التي تمايلت على جوانب الطريق العام. أخذت تلاعب بأصابعها النحيلة الفراشات الملونة التي يضج بها المكان. واخيراً صعدت والدتها إلى العربة تحمل في يدها صندوقاً صغيراً مملوءاً بالمعجنات المخبوزة للتو، خصيصاً لهذه الرحلة، ففاحت رائحتها الشهية تملأ انوفهم.استغرقت الرحلة في العربة ثلاث ساعات، نامت خلالها ماري بعد أن التهمت قطعتين من المعجنات، وهي الرحلة الأولى التي تذهب بها برفقة والدتها فقط، طالما اعتاد والدها أن يذهب بهن بيد أنه لم يوافق على ذهابهن، لكن بسبب إصرار ماري وتوسلاتها وافق على ذلك مرغماً، وكأنه توجس ان خطراً ما سيصيبهن في غيابه.
ترجلن من العربة وسرن نحو البيت الحجري الذي يتوسط المزرعة الخضراء الكبيرة التي تحتوي على شاطئ، بالإضافة إلى اسطبل كبير يضم مجموعة من الجياد الرمادية والسوداء والبيضاء، وهناك خمس حظائر أيضا وعدة حقول.أشعلت الأم الموقد لتدفئة البيت فأوشك الليل أن يهبط ومعه برد قارس.
تسللت ماري بحذر لتلتقي بحصانها الجميل لوثر، حثت خطاها مبتعدة عن البيت، وقد بدت خائفة من توبيخات والدتها ولحسن الحظ تغيب أغلب عمال المزرعة في هذا اليوم، فانتهزت الفرصة ودخلت الاسطبل. احتضنت حصانها الرمادي ثم خرجت به ليلعبا معاً.
ابتعدت به صوب الشاطئ، من حين لآخر تلامسه أو تقبله أو تسقيه بعض الماء، بينما كانت والدتها وأحد عمال المزرعة يبحثان عنها. فتشت الأم القلقة غرف البيت و ركض العامل يبحث عنها في الحظائر، سرعان ما تذكرت والدتها الحصان لوثر، فصرخت قائلة لنذهب إلى الاسطبل بسرعة ولم تجدها أيضاً، سمعا بكاء وصراخ ماري من جهة الشاطئ، ركضا نحوها. دهشت الأم بمشهد ماري تبكي وملطخة بالوحل وكان الحصان وسط الشاطئ ، اخبرتها أن الحصان زلقت قدمه وسقط، حاولوا سحب الحصان دون جدوى بعد أن أصبحت جثته طافية. ركعت ماري على ركبتيها بشعر مبعثر ودموع تهطل على وجنتيها.



