طريقها ليس مفروشاً بالورود .. إسرائيل تواصل الغزو الناعم لأفريقيا
حاولت إسرائيل طيلة سنوات الحصار أن تعود إلى الحضن الأفريقي وأن تسترجع تمثيلاتها الدبلوماسية واستفادت من جملة من الأسباب التي مهّدت عودتها. من بين هذه الأسباب نذكر تخلّف الدّول العربية عن تنفيذ وعودها بمساعدة الدّول الأفريقية خاصةً مع تزامن هذه المدة مع أزمة البترول في الثمانينيات إذ عرفت سوق إنتاج النفط فائضا كانعكاس لانخفاض الطّلب عليه بعد أزمتي 1979 و1973 وهو ما انعكس على سعر المحروقات لتبلغ ما دون الدولارات العشرة سنة 1986 وهو ما انعكس على اقتصاديات الدّول العربية,ففي المُقابل؛ استفادت إسرائيل من الأثر الإيجابي الذي تركته المُساعدات الإسرائيلية في الستينيات خلال «مرحلة الانتشار». أرادت الدّول الأفريقية التي كانت مُحبطة من تراجع المُساعدات العربية استئنافَ المُساعدات الإسرائيلية لملء الفراغ الذي تركه العرب,وبالإضافة لما سبق، فهناك ما ذكره بعض المؤرخين من الدّور السلبي للرئيس الليبي الأسبق، معمر القذافي، الذي استغلّت إسرائيل سياساته التي وُصفت بأنها كانت «متعجرفة ومتعالية تجاه الدول الأفريقية» وتدخّله في الشؤون الدّاخلية لبعض الدّول من أجل حث الدّول الأفريقية على فك الارتباط أو تخفيفه في الحد الأدنى مع الدّول العربية التي كان القذافي في مدة ما أحد مواطن الضّعف في دعايتها ضد إسرائيل.
كما ساهمت التغيرات في جنوب أفريقيا وفي موقف إسرائيل من هذه الدولة في تعديل مواقف الدّول الأفريقية، ففي سنة 1987، انضمت إسرائيل إلى العقوبات التي فُرضت على نظام التفرقة العنصرية، وأدت نهاية هذا النظام إلى إنهاء الانتقاد الموجه إلى إسرائيل بسبب تأييدها جنوب أفريقيا,وكان لاتفاقية كامب ديفيد وإمضاء مُعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل سنة 1978 دور هام في معاضدة كل الأسباب الذاتية والموضوعية المُدرجة أعلاه، فقد رفع هذا التفاهم المصري الإسرائيلي الحرج على الدّول الأفريقية التي كانت تُريد استئناف العلاقات، بعدّ أن السبب الرّئيس للمُقاطعة لم يعُد قائما وبالتالي فقد معناه,وشهدت هذه المرحلة إعادة تأسيس العلاقات بين إسرائيل وأفريقيا مرة أخرى وخاصّة خلال سنتي 1991 و1992، وبالإضافة للأسباب السابق ذكرها، ساهم سقوط الأنظمة الماركسية اللينينية في أفريقيا بالتزامن مع سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي في خفض منسوب الأيديولوجيا لدى دبلوماسيات عدد هام من الدّول الأفريقية، كما دفع دخول الدّول العربية في العملية التفاوضية مع إسرائيل انطلاقًا من مُؤتمر مدريد لاستئناف الدّول المُقاطعة علاقاتها مع إسرائيل، وفي عام 1992 وحده قامت ثماني دول أفريقية بإعادة تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، ليبلغ عدد الدول الأفريقية التي تربطها علاقات دبلوماسية مع الأخيرة، سنة 1997، 48 دولة من أصل 54, و برهنت مشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في قمة المجتمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا (إيكواس) في بداية شهر يونيو (حزيران) الماضي والتي احتضنتها العاصمة الليبيرية مونروفيا على التّقدّم الملحوظ الذي حققته الدبلوماسية الإسرائيلية في علاقتها بدول غرب أفريقيا خصوصا والقارة عموما.
وظهرت أهمّية هذا «الإنجاز الدبلوماسي» من خلال احتفاء الصّحف الإسرائيلية بهذه المُشاركة، إذ قالت صحيفة معاريف في تقرير حمل عنوان «قفزة قصيرة إلى أفريقيا.. لكنها قفزة كبيرة لإسرائيل» أن مشاركة نتنياهو في هذه القمة أنعشت آمال إسرائيل مرة أخرى لاختراق منطقة غرب أفريقيا التي تبدو بعيدة جغرافيا عن إسرائيل لكنها تمثل أهمية اقتصادية واستراتيجية بالغة جدا بالنسبة لها لا سيما أنها تطمح لضخ استثمارات في مجالات الزراعة تقدر بما يزيد على 40 مليار دولار بهذه الدول علاوة على محاولتها إحداث انطلاقة سياسية مع دول مهمة في هذه المنطقة مثل مالي والنيجر والسنغال,الإنجاز الدبلوماسي الإسرائيلي تجاوز المُشاركة في هذه القمة من خلال الإعلان عن اعتزام تل أبيب تنظيم أول قمة إسرائيلية أفريقية في أكتوبر (تشرين الأول) القادم، وستحتضن هذه القمة توغو التي آلت إليها الرئاسة الدورية لـ«إكواس». وتُشكّل هذه الخطوة شراكة متقدمة في مجال التطبيع بين إسرائيل والدول الأفريقية، وتأتي على غرار القمم الأخرى كالقمة الفرنسية الأفريقية، والقمة الهندية الأفريقية، والقمة الصينية الأفريقية، والقمة التركية الأفريقية، التي تسعى من خلالها هذه القوى لتحصيل نفوذ اقتصادي في أفريقيا,يُمكن تلخيص الأهداف الكُبرى للانتشار الإسرائيلي في القارة وتركيزها على دول الغرب الأفريقي في النّقاط التالية:الإستفادة من ظهور الجماعات المُتـطرّفة في منطقة الغرب الأفريقي لوضع المُقاومة الفلسطينية ضمن نفس السّلة و وسمها بالإرهاب بهدف كسب تأييد هذه الدّول والحد من حجم التعاطف مع القضية الفلسطينية ومُتابعة ومُحاصرة مصادر تمويل حزب الله إذ تعدّ إسرائيل أن الأخير يُؤمّن جزءا هاما من ميزانيته عبر رجال أعمال لبنانيين منتشرين في القارة ويعملون في مجالات التجارة الدّولية,وكسب أصوات هذه الدّول في المحافل الدّولية والمنظمات الإقليمية التي طالما جرّمت إسرائيل وأحرجتها,والاستفادة من السوق الأفريقية والرفع من حجم التبادل التجاري معها الذي لا يزال ضعيفا وهو ما كشفه معهد الصادرات الإسرائيلي سنة 2016: تُمثّل صادرات إسرائيل نحو دول القارة 6% فقط من إجمالي الصادرات الإسرائيلية,ومُحاصرة الدّول العربية وحماية أمنها القومي خاصة عبر الحؤول دون أن يتحوّل البحر الأحمر إلى بحيرة عربية لأن ذلك يحاصرها استراتيجيا
..يتبع …



