هل وقعت يوماً في فخ المقارنة ؟

دعــــاء أحمـــــد
كلنا نستخدم المقارنة في حياتنا بشكل أو بآخر وبمواضيع مختلفة فأحياناً تكون ذات فائدة وأهمية بمساعدتنا في تحديد ما نريد وأظهار احدى زوايا الجمال في شيء لم نكن نراه فيه ولكن كذلك نستخدم سلبيتها دون دراية وبالتحديد عندما نقارن حياتنا مع حياة الآخرين فنقع في شباكها من حيث لا ندري وبعدها قد ندرك ما وقعنا فيه بمعرفة الحقيقة بالصدفة البحتة أحياناً أو بانكشاف الحقائق أمامنا أحياناً أخرى وجوهر ما يقودنا لهذا الفخ هو ما يصنعه الأنسان لنفسه أمام الآخرين ونستطيع ان نقول أيضاً ما يتصنعه ولأننا بشر فغالباً ما ننخدع بما يظهر وننغر بما يبدو وهذا ينطوي دون قصد ضمن مفهوم «غش النفس وخداعها» حيث نوهمها بان ما تراه هو الحقيقة ونقارن على اساس ذلك ولكنه في الواقع جزء من الحقيقة او بعضها وسبب ما يبدو لنا هو جزء من الحقيقة الكاملة في أن الانسان دائماً ما يحب ان يظهر أمام الآخرين بالمظهر الجميل ويبدو امامهم بالشكل اللائق وهذا ابتداء من الشكل الخارجي المتمثل بلباسه وانتهاءً بالأمور الاكثر تعقيداً كتعاملاته وعلاقاته الخاصة جداً وهذا من اجل ان يحظى بمكانة في سلم الاحترام الأجتماعي وليندمج في خضام الحراك اليومي لبيئته وهذا الاندماج والاحترام الذي يسعى لهما هو السبب وراء ماهية ايجاد لنفسه المثل الشعبي المعروف «صيت الغنى ولا صيت الفقر» ( اي السمعة التي تدعو للتقدير وان كانت تصنعاً وزيفاً بعيداً عن السمعة التي تقود الى الأستحقار والاستضعاف وإن كانت كذباً) فالمرء ادرك تماماً انه لا يمكنه تغيير المجتمع وطريقة نظرته له ولكنه يستطيع ان يتأقلم أذا اظهر مثلما يريد المجتمع منه ، هذا وفي معظم الاحيان يصل الفرد للذوبان في مجتمعه ويكون واحداً ممن يفكرون بنفس طريقته .الآن هل ادركت سبب مقدار كل ذلك الضوء الذي يسلطه الانسان منا على ايجابياته ويبتعد بشكل كبير عن تسليط نفس حزم الضوء على سلبياته وهذا الضوء هو الذي يخدعك عندما تقارن حياتك بحياة الآخرين فالصورة ستراها ملونة وان كانت في حقيقتها شاحبة وستعتقد أنها كاملة وهي في حقيقتها ناقصة. لا تقلق ففخ «الظاهر» هذا وقع في شباكه حتى الحكماء والعقلاء بل هناك من وقع فيه من الرسل والانبياء فسيدنا داود المعروف بحكمته وعدالة قضائه وحكمه عندما دخل عليه رجلان (ملكان ارسلهما الله لاختبار سيدنا داود) يحتكمان عنده في المحراب وبعد ان استمع الى القصة من احدهما كانت المقارنة في قسمة النعاج بين الرجلين لسيدنا داود في ظاهرها غاية في الأجحاف فأتخذ القرار واصدر الحكم وبعدها اظهر الله له الامر فأدرك ما وقع فيه ، وهنا قد يكون منا من يظن أنه أمتحان خاص والحقيقة انه أمتحان للنفس البشرية أمامنا جميعاً وهذه واحدة من الدروس العديدة التي تستقيها من هذه القصة التي عرضها عز وجل لنا في القرآن اذ قال في سورة «ص» : قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) وبعد ان اوضحت ما سبق سأخبرك بفخ ستنصبه لك نفسك بأسم (المقارنة العادلة) المتمثلة في أن النفس توهمك بأنك تعلم كل شيء عمن تقارن نفسك به فأنت شديد القرب منه ولذا تقول «مقارنتي منصفة بالتأكيد» عندئذ تجنب ان تقع في الشِباك واخبر نفسك أنك لا تعلم كل شيء عن حياة اي انسان ومن ثم اوقن يقيناً تاماً بذلك «كن في الحياة كلاعب وليس كحكم فالأول يحقق هدفاً والثاني يسجل الخطأ>»
الى ماذا ستؤدي بك المقارنة ؟
من أجل الألمام بمعظم جوانب الامر اعلم ان المقارنة بين حياتك وحياة الآخرين سيقودك الى عدم الثقة بالنفس وكثير من الاحباط وذاك لاننا غالباً ما نقارن أنفسنا مع من نراهم اكثر منا علوا وقلما ما نقوم بالعكس وهذا الامر بالتدريج يشعرك بعدم الرضا على النفس والذات ومن ثم على الحال بجُلِه ولهذا فأني دائما ما اقول «المقارنة بين حياتك وحياة غيرك ستقود الطرف الاضعف الى فقدان القناعة» من الجميل ان تعرف لأكون منصفة المقارنة تمنحك امورا جيدة كأن تبدد الحيرة عندك عندما تقارن بين حاجتين قد ترددت في اختيار أي منهما او عندما تقارن لترى جمال الحاجة التي بين يديك او تلك التي تجعلك تستشعر نعم الله عليك فعندئذ تكون ايجابية وصحية وتؤطر بأطارها الصحيح وتوضع بحيزها الحقيقي ومقاسها المناسب .
السعادة ان تتوقف عن مقارنة نفسك بالآخرين
الخلاصة أقنع بما تملك وأستغل طاقاتك وقدراتك وخلال ذلك لا تنسَ أبداً ان ترمي عادة المقارنة الحياتية المجحفة المغشوشة التي نقوم بها عادةً .



