منطق المقاومة في تأجيل الرد خمسة عشر شهرًا.. اعتبارات الإعداد والتوقيت

بقلم: جهاد حيدر..
لم يكن امتناع حزب الله عن الرد على الاعتداءات “الإسرائيلية” تعبيرًا عن عجز أو تردّد أو فقدان إرادة، وإنما كان خيارًا مدروسًا وهادفًا اتضحت بعض معالمه بعدما نفذ حزب الله ردوده التي فاجأت الصديق والعدو. لذلك لم يكن الزمن الفاصل بين معركة “أولي البأس” ومعركة “العصف المأكول” فراغًا، وإنما زمنًا امتلأ بإعادة التقدير، وإعادة البناء، وإعادة التموضع. فالمقاومة، بعد حرب بالحجم الذي شهدناه عام 2024، لم تكن تحتاج إلى انفعال سريع بقدر ما كانت تحتاج إلى عقل بارد، ووقت كافٍ، وقراءة دقيقة للتحولات التي أصابت البيئة العسكرية والسياسية والإقليمية المحيطة بها. ومن هنا، فإن مهلة الخمسة عشر شهرًا لم تكن فقط مفيدة، بل كانت ضرورية، لأنها سمحت للمقاومة بأن تنتقل من طور امتصاص الصدمة إلى طور استعادة المبادرة، ومن ردّ الفعل المتسرّع إلى الفعل المحسوب، ومن الاشتباك في توقيت يفرضه العدو إلى الاشتباك في توقيت تختاره هي وتستفيد فيه من ظروف أكثر ملاءمة.
الحاجة إلى الترميم
أيّ قراءة واقعية لما بعد حرب 2024 يجب أن تنطلق من مسلّمة أساسية: المقاومة تلقت ضربات فعلية، وبعض هذه الضربات كان يحتاج إلى وقت لمعالجته. ليس فقط على مستوى البنية العسكرية، بل أيضًا على مستوى الأمن، والاتصالات، والانتشار، وآليات العمل، وسلاسل القرار، واستخلاص الدروس. فحركات المقاومة الجدية لا تنتقل من معركة كبرى إلى معركة أخرى بالمنطق العاطفي، بل بمنطق التقييم وإعادة البناء.
من هنا، فإن تأجيل الرد لم يكن هروبًا من المواجهة، بل كان جزءًا من التحضير لها. فالمقاومة كانت تحتاج إلى:
ترميم بعض القدرات التي تأثرت في الحرب.
مراجعة الثغرات التي ظهرت ميدانيًا وأمنيًا.
استخلاص العبر من طبيعة الأداء “الإسرائيلي“.
إعادة ملاءمة أدواتها مع التطورات التكنولوجية والاستخبارية الجديدة.
بناء مستوى أعلى من الجهوزية الدفاعية والأمنية.
وهذا يعني أن الزمن هنا لم يكن زمنًا ضائعًا، بل زمنًا استثماريًا، استُخدم لإعادة إنتاج القدرة على الفعل لا لتبرير الامتناع عنه.
المتغير السوري
أحد أهم الأسباب التي جعلت هذه المهلة ضرورية هو المتغير السوري. فحين يتعرض خط الإمداد إلى الانقطاع أو الاضطراب، لا يكون المطلوب فقط تعويض خلل لوجستي، بل إعادة التفكير في بنية الإمداد نفسها، وفي أشكال التموضع، وفي شبكات النقل والتخزين والربط، وفي كيفية التأقلم مع واقع استراتيجي جديد.
مرحلة إعداد مركّب
الخطأ في بعض القراءات أنها تفترض أن عدم الرد المباشر يعني السكون، بينما الأصح أن المقاومة استثمرت هذه المرحلة في أكثر من مسار بالتوازي:
رفع الجهوزية الدفاعية.
تحسين البنية الأمنية.
إعادة تنظيم بعض آليات العمل.
التحضير الميداني لما بعد فشل الدبلوماسية.
بناء مشروعية الرد في الوعي العام.
ربط الرد “الإسرائيلي” المستمر بضرورة الانتقال إلى فعل مقابل.
وهنا يظهر دور الخطاب الرسمي الذي قاده الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم. فهذا الخطاب لم يكن مجرد رفع معنويات أو تسجيل مواقف، بل كان جزءًا من عملية تهيئة سياسية واعية. حين يكرر أن المقاومة لن تسلم باستمرار قتل شبابها، ولن تبقى مكتوفة الأيدي، فهو لا يعلن قرارًا متسرعًا، بل يبني تدريجيًا منطق الرد، ويؤسس له في المجال العام، ويمنع تصويره لاحقًا كأنه قفزة غير مبررة.
سر التوقيت
أهم ما في المشهد الحالي أن الرد جاء في لحظة تخوض فيها “إسرائيل” مواجهة كبرى مع إيران. وهذه النقطة مركزية، لأنها تعني أن “إسرائيل” ليست في وضع تركيز كامل على الجبهة اللبنانية، بل في وضع استنزاف وتوزيع موارد وقدرات واهتمامات على أكثر من ساحة واتجاه.
وهنا تتجلى قيمة اختيار التوقيت. فالمقاومة لا تواجه عدوًا في لحظة “صفاء” استراتيجي، بل في لحظة انشغال وضغط وتعدد جبهات. وهذا يمنح الرد الحالي دلالة مضاعفة:
“إسرائيل” مضطرة لتوزيع جهدها العسكري والاستخباري.
قسم كبير من الموارد والقدرات موجّه نحو المواجهة مع إيران.
هامش المناورة “الإسرائيلية” على الجبهة اللبنانية يصبح أكثر تعقيدًا.
كلفة فتح تصعيد واسع في لبنان ترتفع على “إسرائيل“.
قابلية العدو للتركيز والحسم السريع تصبح أضعف.
في الخلاصة، إن مرحلة الخمسة عشر شهرًا بين معركة أولي البأس والعصف المأكول لا تُقرأ كمرحلة فراغ، بل كمرحلة ضرورة. كانت ضرورية لأن المقاومة احتاجت إلى ترميم بعض قدراتها، وإعادة تنظيم جاهزيتها، والتكيف مع المتغير السوري الذي مسّ خط الإمداد، ومواكبة التحولات التكنولوجية والميدانية. وكانت مفيدة لأنها سمحت بإعطاء الدبلوماسية اللبنانية فرصتها الكاملة حتى تسقط عمليًا أمام الناس، وتكشف أن التنازلات المجانية لم تردع “إسرائيل” بل شجعتها على مزيد من العدوان. وخلال هذه الفترة نفسها، لم تكن المقاومة ساكنة، بل كانت تعمل على رفع جهوزيتها، وبناء مشروعية الرد، وتهيئة المناخ السياسي لهذا الخيار.



