اخر الأخبارثقافية

أعمال عبد الملك عاشور حفر بصري في طبقات الوعي والذاكرة

المراقب العراقي/ أميرة ناجي ..

“أنا لا أبحث عن الشكل بل أبحث عمّا يحدث لي وأنا أعمل” هكذا يقول فيليم دي كونينغ، وتشير هذه المقولة إلى جوهر الفعل الإبداعي باعتباره تجربة وجودية قبل أن يكون إنجازا بصريا وهو ما ينسجم بعمق مع تجربة عبد الملك عاشور، حيث تبدو اللوحة نتيجة لمسار داخلي متوتر لا مخطط شكلي مسبق، فالعمل عنده حالة اشتغال نفسي وذهني تتقدم فيه الإحساسات على القوالب وتصبح اللوحة أثراً لما جرى داخل الفنان أثناء الفعل.

أريد أن أقبض على الإحساس قبل أن يتحول إلى قصة يقول فرانسيس بيكون وهذه المقولة تضيء البعد الانفعالي في تجربة عاشور إذ لا يسعى إلى بناء سرد بصري واضح أو حكاية قابلة للتأويل المباشر بل يلتقط الإحساس الخام واللحظة المتفلتة والتوتر الأولي الذي يسبق اللغة ومن هنا تأتي أعماله مشحونة متكسرة ومفتوحة على احتمالات متعددة لا تمنح المتلقي جواباً بل تضعه داخل التجربة.

ليست تجربة عبد الملك عاشور ممارسة تشكيلية تقليدية بل هي حفر بصري في طبقات الوعي والذاكرة، فاللوحة عنده لا تنجز سطحا جماليا منسجما وإنما كحقل تتجاور فيه التناقضات الصخب والصمت الامتلاء والفراغ الحضور والغياب لذلك تبدو أعماله أقرب إلى كائنات حية تحمل آثار الزمن لا إلى صور مكتملة تسعى إلى الإقناع البصري السريع.

ينتمي عاشور من حيث البنية الجمالية إلى التجريد التعبيري المعاصر غير أن هذا الانتماء لا يعني القطيعة مع الإنسان أو مع الأثر التشخيصي، فالتجريد لديه ليس إنكارا للشكل بل تفكيكا له وتحويله إلى إشارات وكتل وملامح محتملة الوجوه التي تلوح ثم تتلاشى والأجساد التي تظهر مبتورة أو مؤجلة ليست موضوعات بقدر ما هي علامات على قلق وجودي عميق وعلى إنسان يتآكل تحت ضغط الذاكرة والتحولات.

أحد أهم ملامح أسلوب عبد الملك عاشور هو الاشتغال على الطبقات فاللوحة تبنى عبر تراكمات لونية كثيفة كأن الفنان يكتب تأريخا بصريا ثم يعيد محوه جزئيا ليترك أثر ما كان وهذه التقنية ليست مجرد خيار جمالي بل رؤية فكرية ترى الذاكرة بناء غير مستقر مليئا بالطمس والاستعادة فكل طبقة لونية تحمل ما قبلها وتخفيه في الوقت نفسه تماما كما تفعل الذاكرة الإنسانية.

اللون في أعماله ليس صافيا ولا بريئا إنه لون مجروح مشوب متداخل يحمل أثر اليد والانفعال ألوان داكنة تتجاور مع ومضات حادة دون سعي إلى انسجام كلاسيكي وكأن اللوحة تعكس صراع الأزمنة داخل الذات هذا التوتر اللوني يمنح العمل طاقة داخلية عالية ويجعل المتلقي في حالة اشتباك بصري ونفسي مع السطح.

ورغم الطابع المعاصر الواضح فإن تجربة عبد الملك عاشور متجذرة في الموروث الثقافي لا كمادة جاهزة أو رموز مباشرة بل كإحساس متراكم في البنية يمكن استشعار أثر الجداريات القديمة والكتل الطينية وبقايا الرموز الشعبية لا كاستحضار شكلي بل كذاكرة مادية تسكن اللوحة فالموروث هنا يتحول إلى خلفية نفسية وإلى نفس بصري يوجه الإيقاع والبناء دون أن يفرض صورة محددة.

إن علاقة عاشور بالتراث هي علاقة إعادة صياغة لا استعادة فهو لا يحن إلى الماضي بل يستخرج منه طاقته ويعيد توظيفها بلغة معاصرة مشحونة بالأسئلة وبهذا المعنى تصبح اللوحة مساحة التقاء بين زمنين زمن الذاكرة الجمعية وزمن القلق الراهن وهذا التوتر الزمني هو أحد مصادر قوة أعماله.

ما يجعل أسلوب عبد الملك عاشور مميزا هو رفضه للتدجين البصري، فهو لا يسعى إلى إرضاء العين ولا يقدم جماليات سهلة أو رموزا مستهلكة لوحته تقاوم القراءة السريعة وتطلب من المتلقي مشاركة وجدانية وفكرية إنها تجربة تقوم على المخاطرة وعلى ترك المعنى مفتوحا وعلى قبول الالتباس باعتباره جزءا من الحقيقة.

كما أن الفنان لا يقيد نفسه بموضوع واحد أو مرحلة ثابتة بل يشتغل على مفاهيم كبرى الإنسان في حالة التصدع والهوية سؤالا والذاكرة حقلا للصراع لذلك لا يمكن فهم أعماله بمعزل عن سياقها العام بل تقرأ كتجربة متصلة تتطور فيها اللغة التشكيلية دون أن تفقد نواتها الداخلية.

في المحصلة يقدم عبد الملك عاشور تجربة تشكيلية ناضجة استطاعت أن تصنع لنفسها مسارا خاصا داخل المشهد الفني المعاصر تجربة تجمع بين التجريد والتعبير بين الموروث والراهن وبين الحسي والفكري وهي تؤكد أن اللوحة مازالت قادرة على التفكير وأن اللون حين يحمل الذاكرة والانفعال يتحول من مادة بصرية إلى خطاب إنساني عميق مفتوح على التأويل وغير قابل للاستهلاك السري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى